اعياد الميلاد (بيلندة) في التاريخ وفي الاقترانات الفلكية

قاسم مرزا الجندي

بيلندة (بيلندا)(هلدا) هي كلمات كوردية تعني ارتفاع الشمس بعد تحررها، وكلمة (يلدا) أو (يلذلة) هي  آرامية سريانية تعني الولادة، وقد اقتبسوها لولادة السيد المسيح، وهي في الحقيقة والأصل ميلاد مُهرا (الشمس)(شيشم)(ميترا) وتعني خودا (خودان) الشمس.

بيلندا تعني الميلاد وهي بدء الشمس في الارتفاع بعد انخفاضها إلى أدنى نقطة لها في الانقلاب الشتوي، ثم الانتقال إلى الحركة التراجعية للأرض وحركتها نحو شمال خط الاستواء، وهي في الحقيقة حركة كوكب الأرض، بعد نهاية انخفاضها الطويل في (21 ــ 22/ 12) وخروج الأرض إلى الحركة العكسية المنفتحة للشمس إلى شمال خط الاستواء في مدارها حول الشمس في دورتها السنوية الجديدة.

عيد الشمس هو ميلاد ميترا ملاك (خودان) الشمس، يقع في يوم (22ــ 25 / 12) كانون الأول، وهو الشهر العاشر في التقويم الشمسي الإيزيدي (الشرقي)، في يوم الانقلاب الشتوي ويطابق الشهور في البروج الفلكية.

تعرف الشمس بأسماء مختلفة لدى الشعوب والأقوام القديمة، فعند السومريين والبابليين والميترائيين والأكديين والفراعنة وفي روما وفي ميزوبوتاميا والزرادشتية ولدى الكثير من الشعوب تُعرف بهذه الأسماء (شمش)(خور)(اوتو)(رع)(ميثرا) وفي الإيزيدية تسمى( شيشم).

مصطلح بيلندا في الأحداث الفلكية يعني وصول الشمس خلال دوران كوكب الأرض إلى أسفل نقطة في الأفق الجنوبي الشرقي، والتي تُعرف بنقطة الحضيض، مما يؤدي إلى قِصَر النهار وزيادة في مدة الليل وظلمتها. لكن في بداية فصل الشتاء في الانقلاب الشتوي، تعود الشمس مجدداً إلى شمال خط الاستواء، بحركة الأرض التراجعية في دورانها حول الشمس، مما ينتج عن ذلك زيادة في طول النهار على حساب الليل، الى الانقلاب الصيفي، بعد أن تقطع الأرض في مدارها حول الشمس نصف دائرة تساوي (180) درجة.

بيلندا هي إحدى الأعياد التاريخية القديمة التي يحتفل بها الفرس والأكراد والزرادشتية والميترائية. منذ القدم يحيونها في احتفالات وطقوس بالضوء والنور، يعتبرون الشمس رمزاً للمحبة في احتفالاتهم وطقوسهم الدينية. في إيران والشعوب التي لها ثقافات مشتركة معها، تسمى هذه الليلة بليلة بدء الشتاء أو (شب يلدا) (ليلة الأربعينية) وتصادف ليلة الانقلاب الشتوي، وتطابق التقويم الميترائي مع تقويم البروج الفلكي .

في الانقلاب الصيفي، تبدأ الشمس بالشروق من مكان أدنى قليلاً عن مكانها في اليوم السابق عند أفق البزوغ، وتستمر هذه الحالة حتى تصل الشمس إلى نقطة الاعتدال في 23/9 (أيلول)، ومن ثم إلى (الانقلاب الشتوي) تصل الى أدنى مستوى لها.

بعد الانقلاب الشتوي، تبدأ نقاط شروق الشمس بالتحرك في الاتجاه المعاكس، في  الارتفاع تدريجيًا وتواصل مسيرتها نحو الانقلاب الصيفي مرورًا بالاعتدال الربيعي. هذه الظاهرة هي نتيجة لحركة دوران كوكب  الأرض في مدارها حول الشمس.

1 ــ عيد الميلاد(بيلندا) لدى المسيحية

عيد ميلاد السيد المسيح تم وضعه ليتزامن مع عيد بيلندا المعروف بميلاد ميترا. في السابق كان ميلاد المسيح في نهاية شهر نيسان أو مارس، لان يوم 25 ديسمبر ظل مرتبطًا بعيد الميلاد عبر التاريخ بوصفه اليوم الذي كانت فيه الإمبراطورية الرومانية تحتفل بميلاد إله الشمس، بيلندا، المرتبط بالمعتقدات الميترائية والديانات الزرادشتية والايزيدية والارث الآري، قبل المسيحية بآلاف السنين.

مع ظهور المسيحية، كان يصعب على الكنيسة إلغاء عيد الشمس(ميترا) الذي دأبت الشعوب الرومانية على الاحتفاء به لذلك اعتمدت المسيحية أسلوب التحويل حيث قررت تخصيص نفس التاريخ ليكون يوم ميلاد المسيح. واستندت الكنيسة إلى نصوص كتبها آباء المسيحية الأوائل في مرحلة مبكرة، حيث أشاروا إلى المسيح بشمس البر، وبالتالي جاءت فكرة تحويل عيد الشمس تدريجيًا وبذكاء إلى عيد الميلاد المسيح.

اشتهر عيد الشمس في الثقافات الأوروبية، حيث كانت طقوسه الأساسية تتمثل في تبادل الهدايا، إضاءة المنازل بالمشاعل، وتحضير أطعمة تقليدية خاصة للمناسبة، وحين امتدت المسيحية نحو تلك البلاد استخدم المبشرون نفس الرموز المميزة لهذا المهرجان الشمسي بغرض إدراج الجانب الديني المسيحي في الاحتفال بالعيد، مما سهّل اندماج الرموز والتقاليد في عيد الميلاد بداية من القرنين التاسع والعاشر. بذلك أصبحت تسمية بيلندا الى ليُطلق عليه يلدا ميلاد المسيح.

كما أكده المؤرخ المسيحي الأب دانيال من قناة الحياة المسيحية، نفى نفياً قاطعاً أي علاقة للسيد المسيح بعيد الميلاد وأكد أنه يوم ميلاد إله الشمس بالحرف الواحد الواضح الصريح.

2ــ يلدا(جلة) (بيلندة) لدى الديانات والأقوام الآرية

ليلة يلدا أو بيلندة هي أطول ليلة في السنة في شهر ديسمبر، وتعد من إحدى المناسبات والأعياد التاريخية التي يحتفل بها الفرس والأكراد والزرادشتية والميترائية. كان الميترائيين منذ القدم يحيون المناسبات بما فيها المفرحة، ويزينون هذه الاحتفالات والطقوس بالضوء والنور، وكانوا يعتبرون الشمس رمزاً للمحبة في احتفالاتهم وطقوسهم الدينية.

تسمى هذه الليلة في إيران والدول المجاورة التي لها ثقافات مشتركة معها بليلة بدء الشتاء أو (شب يلدا) أو (ليلة المربعانية)، وتصادف ليلة الانقلاب الشتوي. مع الجدول الزمني والتقويم الميترائي وتطابقه الكامل مع التقويم الطبيعي، من فصل بداية الصيف، تأخذ الشمس بالشروق من مكان أدنى قليلاً عن مكانها في اليوم السابق عند أفق البزوغ، وتستمر هذه الحالة حتى تصل الشمس في بداية الشتاء إلى أدنى مستوى لها جنوباً يعرف بنقطة (الاعتدالين).

انطلاقاً من هذا اليوم وما بعده، تتبع نقاط شروق الشمس حركة عكسية، حيث تتجه مجدداً إلى الأعلى وتعود مرة ثانية إلى الانقلاب الصيفي. فهذه العودة الجديدة للشمس إلى الجهة الشمالية الشرقية وتصاعد وتيرة طول الأيام، كانت لها مكانة خاصة عند معتقدات الشعوب في الماضي السحيق، فكان القدماء يعتبرونها لحظة ولادة جديدة للشمس، ما يجعلهم يحتفون بها بإجلال وإكرام، ويقيمون طقوساً تخص هذه الليلة، وإقامة الاحتفالية ليلاً والسهر حتى الفجر، حتى شروق شمس مولودة، وكان من ضروريات هذه المشاركة الأسرية مع الأقارب، مع توفير الأطعمة والفواكه الطازجة، وكل ما يميل إلى الأحمر لون الشمس، لقضاء أطول ليلة (شب يلدا).

إن ولادة الشمس كان يراها القدماء الذين كانوا يبنون في العصور القديمة مباني وعمارات خاصة لعملية محاسبة وقياس وصول الشمس إلى مواضعها السنوية والخروج بتقويم خاص لحركة الشمس في تلك القصور، ومن أحد هذه الأبنية مبنى (تشارتاقي) بمدينة نياسر في كاشان وسط إيران. وتدلّ الأبحاث والدراسات العلمية على أن هذا المبنى تم تصميمه وتشييده بشكل يمكن مشاهدة ومحاسبة وصول الشمس إلى مواضعها السنوية وكذلك نقطة الانقلاب الشتوي وبدء سنة جديدة تسمى السنة الميترائية، والأعياد التي تقام في هذه الليلة هي طقوس قديمة كان يحييها أتباع الديانة الميثرائية منذ آلاف السنين. إن مراسم ولادة الشمس وشروقها تقام سنوياً في (تشارتاقي) بمدينة نياسر، وذلك بمشاركة الفلكيين والخبراء وعشاق علم النجوم .

3ــ جلة (يلدا)(بيلندة) في الديانة الزرادشتية

يُعتبر هذا العيد من الاحتفاليات المرتبطة بأطول ليلة وأقصر نهار في السنة، والمُسماة بـ”شوي يلدا”، وهي كلمة آرامية سريانية تشير إلى “الميلاد”. يعود اسم هذه الاحتفالية، والمعروفة أيضًا بـ”شوي چله”، بحسب المصادر التاريخية لأكثر من ثمانية آلاف سنة، ويُقال إن ليلة “چله” تشير إلى ميلاد “ميترا”، الذي يمثل ولادة الشمس في المعتقدات المرتبطة بالديانة الآرية.

يحتفي الزرادشتيون بهذه الليلة بأداء الأغاني التراثية وقراءة الأشعار الدينية، إلى جانب قرع الدفوف الدائرية والأسطوانية، مع ترتيبات مميزة تُبرز المائدة في وسط الاحتفالية. وهذه الليلة مفعمة بعادات تهنئة خاصة مثل القول “يلدا مبارك”. أما أول احتفال رسمي بهذه المناسبة من قبل الزرادشتيين، فقد كان في مدينة أربيل ضمن فعاليات نظمتها وزارة الثقافة التابعة لإقليم كُردستان.

في الديانة الزرادشتية، يرتبط النور والنهار بالشمس كمظاهر للإبداع الإلهي، في حين يرمز الليل والبرد إلى “إله الشر”. كانوا يؤمنون أن التناوب بين الليل والنهار يعكس صراعًا دائمًا بين النور والظلام، حيث اعتبرت الأيام الطويلة انتصارًا للنور والضياء، بينما أشارت الأيام القصيرة إلى سيطرة الظلام والعتمة. وتوضح الأساطير الكردية أن الشمس والقمر يؤسسان لعلاقة مليئة بالعشق ويلتقيان في هذه الليلة، مما يرمز إلى اقتران فلكي مميز.

ونقل رئيس اللجنة العليا محمد مردان لإحدى الوسائل الإعلامية أن العودة إلى مصطلح “چله” تُعيد الاصالة لأكثر من ثمانية آلاف عام من التاريخ، وأضاف أن العيد يرمز لميلاد “ميترا” والذي يرتبط بيوم ولادة الشمس وفق المعتقدات الزرادشتية الآرية. من منظور تاريخي، كان الاحتفال بميلاد “مهرا” – المرتبط بالشمس – إيذانًا ببداية الأربعينية التي تعرف باسم “الجلة”، ولكن تحت تأثير إضافي من الحضارة الآشورية والشروط اللاحقة بعد الغزو الإسلامي،

4ــ يلدا (بيلندة) في الديانة اليارسانية

إن ليلة 20 إلى 21 من كانون الأول، التي تُعرف بأنها الأطول في السنة، توافق بداية صيام اليارسانيين الذي يستمر لمدة ثلاثة أيام. يُروى أن مؤسس الديانة اليارسانية، سان سهاك، اضطر إلى الاختباء في كهف مع مجموعة من أتباعه هربًا من ملاحقة أقربائه وأفراد عشيرته الذين حاولوا التخلص منه بسبب دعوته الدينية.

خلال تواجدهم في الكهف، بقي هو ومريديه من دون طعام أو شراب لمدة 3 أيام، وهو ما جعل اليارسانيين يصومون ذات الفترة خلال منتصف الشتاء الكُردي المعروف باسم (چلەی زستان). ارتباط رسوخ سان سهاك في الكهف يحمل دلالة رمزية تقارن بما نُسب إلى اعتكاف ميثرا في كهف ومثلما تم ربط ميلاده بهذه الأجواء، يرى البعض أيضًا أن الآريين ممن تركوا الديانة الميثرائية واعتنقوا المسيحية نقلوا هذا التوقيت ليُعتمد كيوم ميلاد السيد المسيح عليه السلام، رغم تقديرات أخرى تشير إلى أن الميلاد الفعلي ربما يوافق يوم 28 آذار بين موسمي نهاياته وبدايات نيسان.

احتفالات ميلاد ميثرا، في هذا الصدد، ليست سوى امتداد لطقوس الأجداد الكورد من السومريين الذين أقاموا هذه الاحتفالات مذ نحو يزيد على خمسة آلاف سنة. ومع حلول يوم 21 من كانون الأول تبدأ التغيرات، إذ يزداد طول النهار ليبطُل به تأثير الظلام وتنخفض برودة الليل، وهذا السبب الذي دفع السومريين إلى الاحتفال ببداية هذا التحوّل الطبيعي.

5ــ أعياد بيلندا( عيد الشمس) في الديانة الايزيدية

بيلندة هو عيد ميلاد الشمس، الذي يُمثل ميلاد ميترا أو خودا (خودان) الشمس، ويُحتفى به خلال الفترة ما بين (22- 25) كانون الأول وفقاً للتقويم الشمسي (الشرقي)، ويوافق يوم (6) من كانون الثاني حسب التقويم الميلادي، بفارق (13) يوماً بين التقويمين. هذا الموعد قد يُقدَّم أو يُؤخَّر بأيام وربما بأسبوع أو أكثر بناءً على الفرق بين التقويمين وارتباط يوم عید بيلندة بيوم الجمعة الذي يُعد يوم ميلاد ميترا (مهرا) (خودان). هناك من يعتقد أن هذا اليوم يرتبط بميلاد الشيخ آدي الهكاري، ولكن نظراً لقدسية هذا العيد لدى الإيزيديين منذ القدم، فمن من الممكن ان يكون قد ولد الشيخ هادي في البيلند، ولكن المناسبة قديمة تعود الى آلاف السنين قبل ظهور الشيخ آدي.

إلى جانب ذلك، يُخصص أسبوع قبل الاحتفال ببيلندة الإيزيدية العامة لإحياء عيد يُعرف بـ”بيلندا بيرا”، وهو عيد تنفرد به عائلات من طبقة البيارة، ويرتبط بخودان (بيرافات)، المسؤول عن الأمطار والبرد والفيضانات. يتخلل عيد بيلندة تقاليد وطقوس عديدة، أهمها طقوس “كوركا كا”، والتي تعني النار والثور، حيث ترمز النار إلى الشمس والثور إلى الأرض والخصوبة، تعبيراً عن بداية ولادة جديدة ترمز إلى ميترا (مهرا) ملاك الشمس.

في هذه المناسبة، تُشعل نيران طقس الكوركا كا أمام المنازل تجسيداً لحركة الشمس وتحول الأيام، واحتفالاً ببداية مرحلة جديدة في الحياة. وفي السابق كان الثور وغيره من الحيوانات المستخدمة في الزراعة تُمرَّر فوق نيران الكوركا كا كرمز لقرب انتهاء موسم الزراعة. خلال العيد، تقوم النساء برمي الحلوى مع كميات صغيرة من حبوب القمح والشعير للأطفال والشباب والحضور، وبهذا يعُمّ جو من الفرح والحيوية.

وبسبب المآسي والانتهاكات التي تعرض لها الشعب الإيزيدي، حدث انحراف عن التوقيتات الأصلية لهذه المناسبات، فضلاً عن التغيرات خلال أداء الطقوس التي أفسدت بعض جوانب العيد وأثرت على تسمياته. ومع ذلك، فإن عيد بيلندة يظل رمزاً راسخاً لميلاد الشمس ولقدسية خاصة بالديانة الإيزيدية.

هناك نوعان من البيلندا لدى الإيزيدية : ــ

1ــ بيلندة البير: يسبق موعد هذا العيد بيلندا الإيزيدية بفترة أسبوع، ويعد مناسبة مميزة تحتفل بها بعض العائلات التي تنتمي لطبقة البيارة. يرتبط هذا العيد بمجموعة من المفاهيم الروحية، حيث يُقال إن له صلة بملاك مسؤول عن المطر والبرد والفيضانات. تشهد بيلندا البيرا تقليداً خاصاً يتمثل في إعداد وتوزيع أكلة تُعرف بـ”كةشكا بيري” بين أهالي القرية. هذه الأكلة تُحضّر من قمح يُخلط بأقراص “كةشك” اللبن المجفف، يُطبخ الخليط ليشكّل حساءً يقدم صباح يوم العيد ويتم توزيعه على منازل أهل القرية.

2ــ بيلندا الإيزيدية (العام): يقام هذا العيد عادة خلال الفترة الممتدة بين (21 و25) ديسمبر وفقًا للتقويم الشرقي (الشمسـي)، ويتزامن مع تاريخ (6 يناير) بالتقويم الميلادي، وذلك بسبب الفرق بين التقويمين الشمسي والميلادي، (13 يوماً). في بعض السنوات، قد يتغير موعد الاحتفال ببيلندا تبعاً لاختيار الجمعة كيوم خاص للاحتفاء. العيد مرتبط بولادة ملاك “خودان” أو “متيرا (مهرا)”. هناك آراء بين الإيزيديين تشير إلى توافق العيد مع ظهور الشيخ آدي الهكاري، ولكن عيد بيلندة هي مناسبة قديمة قبل ظهور الشيخ الجليل بآلاف السنين. و بيلندة ترتبط بملاك (خودان) الشمس أو ميلاد متيرا(مهرا) (شيشيم). تُقام في أعياد بيلندا مراسيم وطقوس هي: ـ

1– تجتمع النساء يوم الثلاثاء لتحضير خبز “الصوك”، الذي يتم توزيعه كرمز للمحبة وتعزيز العلاقات الاجتماعية، بينما تصنع العائلات الإيزيدية خبز “الخوليرة” الكبير، وهو تقليد لتحديد الأكثر حظاً في العائلة للعام المقبل.

2- يُخصص يوما الأربعاء والخميس لزيارة قبر الأحباء، حيث تُقدَّم الطعام كصدقة للفقراء استذكاراً للمفقودين، كما تقوم النساء بزيارة الأقارب وسكان القرية لتعزيز الروابط العائلية والاجتماعية.

3- عصر يوم الخميس “عرفات العيد”، يشهد مراسم “كوركا كا” المتمثلة في إشعال النار ترمز للشمس والأرض، وتشمل القفز فوقها كتعبير عن بداية جديدة. وتُستخدم أيضاً لإحياء تقليد قديم مختص بالزراعة، مع توزيع الحلوى والحبوب للأطفال، إشارة الى نهاية موسم الزراعة الشتوية

4- ليلة العيد، “عيد بيلندة”، يحتفل أفراد الأسرة بتقسيم قرص “الخوليرة” لتحديد صاحب الحظ الأفضل على أساس العثور على الزبيبة أو نواة الزيتون داخل القطعة الخاصة به.

5- صباح العيد يتجمع الأهالي لزيارة مزارات الأولياء والمعابد، ثم يبادلوا التهاني احتفاءً ببداية العام الجديد الذي يُجسّد انتصار النور على الظُلمة.

6ــ الباتزمية (بيلندة) لدى بعض العشائر الايزيدية في شنكال

عيد الباتزمية يُجسّد بوضوح فلسفة الديانة الإيزيدية، وذلك من خلال ارتباطه الوثيق بموضوعات الخلق والتكوين في سياقيها الديني والتاريخي. من المحتمل أن هذا العيد كان في الماضي احتفالاً شاملاً لدى جميع أبناء الديانة الإيزيدية، وليس مقتصراً على عشيرة الجيلكا وحدها. يصادف توقيت عيد الباتزمية موعداً قريباً من توقيت عيد البيلندة، بفارق يصل لأسبوع أو أكثر.

تمتد جذور الباتزمية لعصور قديمة للغاية، حيث وردت الكلمة “باسيسمي”، التي يعد معناها مكملاً للأفكار الكبرى للخلق والكون، في النصوص السومرية (ألواح سومر). هذه الكلمة تقع في تقاطع معنوي مع مصطلح “باتزمية” المعروف بـ “باسيمي” أو “باستمي”، والذي يعبِّر عن ذات الاحتفال والمناسبة.

تتصل العشائر الايزيدية وخاصة عشيرة الجيلكا، بأعراف ثقافية عريقة مستمدة من إرث الأقوام الميتانية والمترائية. يتجلى الاستعداد للاحتفال عبر الاهتمام بطقوس تنظيف الجسد واستعداد البيوت لاستضافة الموائد والضيوف. ومن الطقوس المميزة لهذا العيد، توزيع “خميرة العجينة” المرتبطة بجوانب رمزية خاصة بـ “پيري ئالي”، حيث تستعمل عشيرة الجيلكان هذه الخميرة لصنع خبز “الصوك”، الذي يزداد إنتاجه طوال الأيام الستة لأجواء الاحتفال.

يكرس الجيلكان أيامًا للصيام خلال هذه المناسبة بين اليومين الثاني والرابع احتراماً لرمزية “پيري ئالي”، تعقب ذلك احتفالات تتضمن إشعال “الجرا” عند غروب الشمس، والتي تكمّل الطقوس. في اليوم الخامس، تبدأ عملية ذبح المواشي وتحضير الطعام الذي يتم توزيعه بروح الكرم والتواصل الجمعي، ويأتي بعد ذلك يوم الشڤبرات (اليوم السادس)، ليختتم بعيد الاحتفال في اليوم السابع.

تغطي أجواء العيد سبعة أيام، يحمل رقمها دلالات رمزية في الإيزيدية، حيث يعتقد بقداسة ارتباط الرقم بالملائكة السبعة. يتم في كل أمسية إشعال القناديل مع غروب الشمس، لتضيء وتمتد نحو طاقة فجر اليوم التالي كنوع من الربط الروحي بين المادة والروح(النور) في الكون.

الصلاة تُقام باتجاه الشمس كما يتم تجهيز الفتائل الأخيرة وتعكس لحظات اتصال الروح بالنور بتكوين الكون. تبدو منهجية الأعياد لدى الإيزيديين مثل(عيد إيزي، شيشم، بيلندة …) قائمة على إيقاعات روحية وفلكية مرتبطة بحقيقة العلاقة بين الفلك والخالق.

الاستنتاجات

1 ــ تعرف البيلندة (الانقلاب الشتوي) في ايران والدول التي تتشابه معها ثقافيًا الشتوي، بتسمية “شوي يلدا” أو “ليلة الأربعينية”، وهي ترتبط بالضياء والنور، وهي واحدة من المناسبات التاريخية والأعياد التي يُحيونها الإيرانيون.

2 ـ في العقيدة الزرادشتية، ترمز الشمس والنور إلى الخير والتنوير، بينما يرمز الظلام إلى الشر. يحتفل الزرادشتيون بيوم الانقلاب الشتوي او البيلندة، تحت اسم (جلة يلدا)،(شوي جلة)  تتضمن الطقوس الدينية وإعداد المأكولات التقليدية. يعود أصل الاحتفال (شوي جلة) إلى أكثر من ثمانية آلاف عام، ويرتبط بمناسبة ميلاد الإله “ميترا”، الذي مثّل ولادة الشمس الإلهية في العقيدة الآرية القديمة.

3 ــ الظاهرة الفلكية والرمزية في الانقلاب الشتوي تمثل الليلة أطول ليلة وأقصر نهار في السنة، نظر القدماء إلى هذه اللحظة (زيادة طول النهار) على أنها ولادة شمس جديدة، وانتصار النور على الظلام.

4 ــ البيلندة في الأسطورة الكردية هناك قصة رومانسية أسطورية عن اتحاد الشمس والقمر في ليلة “جلّة يلدا”، وهو يشير إلى ظاهرة فلكية خاصة تحدث سنويًا.

اليارسانية يطلقون عليها “جلة زستان”.  أصل صيام اليارسانية، الصيام لمدة ثلاثة أيام مع بدء “جلة زستان” إلى قصة مؤسس الديانة، سان سهاك، الذي اختبأ مع أتباعه في كهف دون طعام أو ماء لمدة ثلاثة أيام.

5 ـ التحول المسيحي: مع انتشار المسيحية، تم استبدال اسم “جلة” بـ “يلدا” (الولادة) وربطها بميلاد المسيح، على الرغم من أن أصل الكلمة والمعنى يعودان إلى ميلاد إله الشمس “ميترا”. كما يؤكده ذلك المؤرخ المسيحي الأب دانيال أن تاريخ ميلاد المسيح الحقيقي هو بين مارس وأبريل، مما يشير إلى أن تاريخ ديسمبر تم اختياره لدمج طقوس احتفالات ميترا القديمة.

6 ــ بيلندة في الايزيدية هو ميلاد الشمس(شيشم) او (مُهرا شيشم)، الذي يُمثل ميلاد ميترا أو خودا (خودان) الشمس، وهي مناسبة قديمة تعود الى آلاف السنين قبل ظهور الشيخ الجليل.

عيد الباتزمية يُجسّد فلسفة الديانة الإيزيدية، وذلك من خلال ارتباطه الوثيق بموضوعات الخلق والتكوين في سياقيها الديني والتاريخي. تمتد جذور الباتزمية الى السومريين، حيث وردت الكلمة “باسيسمي”، التي يعد معناها مكملاً للأفكار الكبرى للخلق والكون، في النصوص السومرية (ألواح سومر). هذه الكلمة تقع في تقاطع معنوي مع مصطلح “باتزمية” المعروف بـ(باسيمي” أو “باستمي”، والذي يعبِّر عن ذات الاحتفال والمناسبة.

7 ـ كانت تُمارَس طقوس ومراسيم أعياد بيلندا لدى الشعوب والأقوام الآرية القديمة قبل ظهور الأديان الإبراهيمية. ولا يزال هؤلاء يحيون طقوس أعياد البيلندا في مراسم خاصة لدى الإيزيدية والزرادشتية ولدى الأقوام الآرية.

المصادر :ـ

1ـ الموسوعة العلمية الحديثة /  الكون ————  كولين رونان مع مجموعة من المؤلفين

2 ـ  علم الأرض. تتميز البشرية بالأرض والشمس والبروج ————   ألبرت رافائيل

3 ـ موسوعة تاريخ الاديان ——————————————-   فراس السواح

4 ـ  الكاكائية في التاريخ  ——————————————–  عباس العزاوي

5 ـ قصة ميلاد السيد المسيح في الكتاب المقدّس      ——————-

6 ـ اليزيدية  ——————————————————- صديق الدملوجي

7 ـ  اليارسان أو أهل الحق ؛ طائفة باطنية كردية ————————-  توماس بوا

8ـ الذكاء الاصطناعي ————————————————- chatgbt

ڤان بابەتان ببینە

الأمير تحسين سعيد بك الزعيم التاريخي للايزيديين

   قاسم مرزا الجندي                        …