ثورة أيلول 1961.. من النضال من أجل الحقوق إلى العراق الاتحادي
1 حەفتە ago
1 ديتن
داود سليمان بگ
تُعدّ ثورة أيلول، التي اندلعت عام 1961 بقيادة الزعيم الملا مصطفى البارزاني، واحدة من أبرز المحطات السياسية والتاريخية في العراق الحديث، لما تركته من أثر عميق في مسار القضية الكوردية، وفي تطور مفهوم الحقوق القومية والشراكة الوطنية في العراق.
ولم تكن الثورة وليدة ظرف سياسي عابر، بل جاءت في سياق تاريخي اتسم بتصاعد سياسات التمييز والتهميش، وعدم الاعتراف الكامل بالحقوق القومية للشعب الكوردي. ومع انطلاق الثورة، تحولت المطالب المتعلقة بالحقوق القومية والإدارية والثقافية إلى قضية سياسية بارزة فرضت نفسها على الدولة العراقية وعلى المشهد السياسي العام.
ومن المهم، عند قراءة تاريخ ثورة أيلول، التأكيد على أن القضية التي حملتها لم تكن منفصلة عن الواقع العراقي الأوسع؛ فقد تفاعلت معها قوى وشخصيات وفعاليات سياسية من مختلف المكونات، كما شارك في صفوف الحركة السياسية والمسلحة أفراد من العرب ومن مكونات وأقليات عراقية أخرى، بدرجات وأشكال مختلفة، انطلاقاً من مواقف سياسية ووطنية متعددة.
وقد تحمّل الشعب الكوردي خلال سنوات الثورة أعباءً كبيرة، من النزوح والدمار إلى الخسائر البشرية والمادية، في ظل صراع امتد لسنوات وألقى بظلاله على مناطق واسعة من العراق. إلا أن استمرار النضال السياسي والعسكري أسهم في إبقاء قضية الحقوق الكوردية حاضرة في المفاوضات والحوارات السياسية، وصولاً إلى اتفاقية 11 آذار 1970، التي مثّلت محطة مفصلية في تاريخ العلاقة بين السلطة العراقية والحركة الكوردية.
وتضمنت اتفاقية 11 آذار اعترافاً رسمياً بجملة من الحقوق القومية للشعب الكوردي، وأرست، من حيث المبدأ، أساساً جديداً للتعامل مع القضية الكوردية داخل الدولة العراقية. ورغم أن الاتفاقية لم تُستكمل على النحو الذي كان مأمولاً، فإنها بقيت علامة مهمة في مسار الاعتراف بالحقوق القومية وترسيخ مفهوم الشراكة السياسية.
غير أن التطور الأكبر جاء بعد عقود، ولا سيما بعد عام 2003، عندما أُعيد بناء النظام السياسي العراقي على أساس دستوري جديد. فقد أقرّ دستور جمهورية العراق لعام 2005 النظام الاتحادي، واعترف بإقليم كوردستان بوصفه إقليماً اتحادياً ضمن جمهورية العراق، كما كرّس جملة من المبادئ المتعلقة بالتنوع القومي والثقافي واللغوي والحقوق الدستورية للمكونات العراقية.
ومن هنا، يمكن النظر إلى العلاقة بين ثورة أيلول والنظام الاتحادي من زاوية تاريخية متدرجة، لا باعتبار أن الثورة كانت تطالب، منذ بدايتها، بالنظام الفدرالي بصيغته الدستورية الحالية، وإنما باعتبارها إحدى المحطات الأساسية في مسار طويل من النضال من أجل الاعتراف بالحقوق القومية والمشاركة السياسية، واحترام التنوع، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها.
فالفدرالية التي أقرّها الدستور العراقي لم تكن نتيجة حدث واحد، بل جاءت حصيلة تراكم تاريخي وسياسي طويل أسهمت فيه تجارب ومراحل متعددة. وكانت القضية الكوردية واحدة من أبرز القضايا التي دفعت باتجاه إعادة التفكير في شكل الدولة العراقية وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم.
واليوم، وبعد مرور عقود على اندلاع ثورة أيلول عام 1961، فإن استذكار تلك الثورة يمثل مناسبة لقراءة تاريخ العراق بعين أكثر شمولاً، بعيداً عن الاختزال والتوظيف السياسي. فقد أثبتت التجربة العراقية أن الاستقرار لا يتحقق بإقصاء المكونات أو تجاهل حقوقها، وإنما من خلال الاعتراف بالتنوع، وترسيخ المواطنة المتساوية، وضمان الحقوق الدستورية، وبناء دولة يشعر جميع أبنائها بأنهم شركاء حقيقيون فيها.
لقد انتقلت القضية الكوردية، عبر مسار طويل من النضال والتضحيات والمفاوضات، من مرحلة المطالبة بالاعتراف بالحقوق إلى مرحلة دستورية أصبح فيها إقليم كوردستان جزءاً من النظام الاتحادي العراقي. وبين هاتين المرحلتين امتدت عقود من الأحداث والتضحيات والتحولات السياسية، كان لثورة أيلول 1961 حضور بارز في تشكيل هذا المسار التاريخي.
إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه التجربة هو أن قوة العراق تكمن في تنوعه، وأن مستقبل الدولة العراقية يرتبط بقدرتها على إدارة هذا التنوع في إطار الدستور والقانون، وتحويل الاختلافات القومية والدينية والثقافية من أسباب للصراع إلى عناصر قوة وشراكة وطنية.
وبهذا المعنى، فإن ثورة أيلول ليست مجرد ذكرى في سجل التاريخ الكوردي، وإنما هي محطة مهمة في تاريخ العراق السياسي، وجزء من مسار طويل من التحولات والنضالات والتجارب انتهى، بعد عقود، إلى إقرار مبدأي الشراكة والاتحادية بوصفهما جزءاً من البناء الدستوري للعراق الحديث.