جامع الشيخان القديم ايقونة التعايش بناها المكونات الثلاثة
حوزهیران 9, 2026
6 ديتن
سرهات شكري بك
تعتبر قصة بناء جامع الشيخان القديم (مزكةفتى ئيسفني يا كفن) بمشاركة الإيزيديين تُعد أيقونة خالدة للتعايش الأخوي وتجسيدًا حيًّا للقيم الإنسانية المشتركة التي تتجاوز الاختلافات الدينية، حيث اتحد جميع مكونات قضاء الشيخان في بناء مسجداً للأخوة المسلمين رغم قلتهم في تلك الفترة، تعتبر هذه القصة نموذجاً فريداً خاصة في مجتمعات تقليدية، ذات قيمة إنسانية عليا، لذلك بقيت القصة حية في ذاكرة الأجيال كدليل على زمن كان الإنسان فيه أقوى من الانتماءات الضيقة.
في الإطار التاريخي والثقافي المرتبط بتشييد الجامع، يعكس بوضوح أواصر التفاهم والانسجام والتعايش بين الأديان المتنوعة في القضاء، حيث يعود بناء الجامع إلى القرن الماضي في قضاء الشيخان، هذا الحدث التاريخي الذي يتناقله الأجيال في المراحل التاريخية المختلفة، مثلما نحن الآن بصدد كتابة هذه السطور عن تشيد الجامع، بعد مرور ومضي عشرات العقود، لنعيده الى ذاكرة الأجيال، لمعرفة مدى الدعم الذي قدمه الايزيديين السكان الاصليين للمكونات الاخرى عند بداية تواجدهم واستقرارهم في المنطقة.
في بداية القرن العشرين، تحديدًا عام 1906، كانت عين سفني تحتضن ست عوائل من الاخوة المسلمين، إلى جوار عدد أقل من عوائل الاخوة المسيحيين، قيل انهم كانوا اربعة عوائل مسيحية، حسب المصادر التاريخية، والاخبار التي تناقلتها الاجيال بشكل عام، وخاصة كبار السن من سكان عين سفني من الايزيديين والمسيحيين والمسلمين.
لقد تم بناء مسجد متكون من غرقة صغيرة مبنية بالطين واللبن. يُعرف اللبن بأنه طوب في سنة 1906م، وكان الأذان يرفع من فوق سطحها، كان يدير شؤون المسجد في تلك الفترة رجل اسمه ملا جمال، الذي عُرف بطيبته واتّباعه نهجًا وسطيًا ورؤية فكرية متوازنة مع الآخرين. بقي هذا المسجد الذي كان يؤدي المسلمون طقوسهم الدينية فيها، وهي غرفة واحدة، كانت تجرى عليها بعض الترميمات البسيطة كل سنة في فصل الخريف، استعداداً لفصل الشتاء، لان غرفة المسجد كانت مبنية بالطوب والطين، بقي هذا المسجد حتى عام 1942م.
بعد الأحداث المعروفة بـ “سفر بلك والصحيح “سفر برلك” هو مصطلح تركي وتعني “النفير العام” أو “التعبئة العامة”، وهي تعبر عن فترة التجنيد القسري والترحيل الجماعي الذي مارسته الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى (1914- 1918م). خلال هذه الفترة قامت الدولة العثمانية بتجنيد جميع الشباب والرجال القادرين على حمل السلاح، حتى الصغار الذين اقتربوا من سن الرشد، من جميع أنحاء الأراضي العثمانية، بما في ذلك بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، وإرسالهم للقتال في الجبهات المختلفة وخاصة في أوروبا.
كانت الظروف المعيشية للجنود في الجبهات صعبة للغاية، مع نقص في الغذاء والملابس والمأوى.
وكانت هناك مآسي إنسانية كبيرة ظهرت خلال فترة “سفر برلك”، حيث توفي الكثير من الجنود بسبب الحروب والأوبئة والجوع، وحدثت مجاعات في بعض المناطق بسبب نقص الغذاء، مما اضطر الكثير من السكان الى الهجرة، وترك اوطانها والبحث عن اماكن اخرى للعيش وهرباً من الحروب، خلال احداث “سفر برلك” التجئت 12 عائلة مسلمة هرباً من القتال والمجاعة، واستقرت في مدينة عين سفني، فأصبحت عدد عوائل المسلمين(18)عائلة في عام 1918م.
كانت عين سفني في هذه المرحلة الى أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، لوحة متميزة من التعايش الأخوي بين الإيزيديين والمسلمين والمسيحيين، وقد بلغ عدد عوائل المسلمين 33 عائلة، وعدد عوائل المسيحيين 24عائلة، وكان عدد عوائل الايزيديين في تلك الفترة اكثر من 76 عائلة. في هذه الفترة قدم الامير سعيد علي بك امير الايزيدية، بإهداء قطعة أرض مملوكة للايزيديين الى المسلمين في قضاء الشيخان، لإنشاء جامع يخدم الإخوة المسلمين، لإقامة صلواتهم وخطبهم وطقوسهم الدينية.
وقد ساهم الإيزيديون بشكل جماعي مع المسلمين في بناء هذا المسجد، اضافة الى بعض المسيحيين، بعد ان كانت عرفة بسيطة مبنية باللبن، هذه المشاركة الفعلية من قبل الايزيديين وتبرع قطعة الارض لهم من قبل اميرهم سعيد بك، يشير الى أواصر الترابط والألفة التي ينتهجها الايزيدية مع جميع المكونات، هذه المبادرة تُعيد إلى الأذهان تلك القيم الإنسانية الممزوجة بالتعامل الانساني مع جميع المكونات.
تشير إحدى نصوص الديانة الايزيدية الشهيرة الى عمل الخير: “يا خودى تو خيرى بدة ية هةفتي و دو مةلةتاوة أو باشي بدةية ومة لكةل “مفادها يعني ان الايزيدية (يتمنون الخير لاثنان وسبعون ملة و من ثم يتمنون لأنفسهم)، أي انهم يدعون الى الخير لكل الامم، وبعدها يدعون لملتهم.
الفلسفة الايزيدية تقوم على فكرة وحدة الوجود وتقديس الطبيعة، الاعتقاد بأن الخير موجود في كل جزء من الكون. ومن أهم مبادئ تربيتهم الدينية “إحسن إلى الجميع دون أن تنظر او تسأل عن دينهم”، والامتناع عن لعن أي كائن إيمانًا بأن الحكم المطلق هو من اختصاص الخالق وحده.
في أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات من القرن الماضي، وفي احد الايام كان الأمير سعيد بك جالسًا في مجلس البير درويش المجيور “كوجكا درويش مجيور” بحضور الكثيرين، كان من بينهم ملا شاهين إمام مسجد الشيخان آنذاك، المُنحدر من إحدى القرى الجبلية المحيطة بقضاء الشيخان، والذي كان صديقًا مقربًا للأمير سعيد بك.
خلال الجلسة وحسب الروايات الشعبية التي يتناقلها اهالي الشيخان: الامير سعيد بك سأل ملا شاهين قائلاً: “لماذا ترفع الأذان من سطح دارك؟، فأجابه ملا شاهين: يا اميري، إن المسجد غرفة غير صالحة للاستخدام بسبب حالتها المتهالكة وهي آيلة للسقوط، ولهذا استخدم بيتي لرفع الاذان.
عندها رد الأمير موضحًا: “إن الأرض الملاصقة للمسجد هي من ممتلكاتي وممتلكات الإيزيدية”، وانني اقدم هذه الارض هدية لكم وللمسلمين في قضاء الشيخان لبناء مسجد جديد، لإقامة صلواتكم وخطبكم وطقوسكم الدينية فيها. عندها عبر الملا شاهين عن شكره وتقديره للأمير سعيد بك، وقال يا اميري: لقد اعطيتنا الارض، ولكن لا نستطيع .. وليس لنا القدرة على بناء الجامع بسبب قلة الإمكانات المالية لدينا. فأجابه الأمير سعيد بك: أنه قرر في قيام حملة العمل الشعبي والتي تعرف محلياً بـ (زبارة) من أبناء الديانة الإيزيدية المقيمين في منطقة الشيخان، لمساعدتكم والعمل معكم من بداية العمل الى أن يكتمل الجامع.
وفعلاً بُدأ العمل في بناء الجامع سنة 1942م، وتقدم مجاميع من الرجال والشباب الايزيديين، بعد ان أمر اميرهم سعيد بك بن علي بك مساعدة المسلمين بشكل جماعي في عملية (الزبارة) في بناء الجامع.
حيث تُقدم قسم من تلك المجاميع الى سلسلة جبل “سبلوت او سمريت” لقلع الاحجار وكسرها ونقلها الى مكان الجامع بواسطة ( بركيش) التي كانت تحمله الدواب.
بركيش : هي اداة مصنوعة من الخشب وكان يوضع فوق ظهور البغال والحمير على شكل صندوقين من الاخشاب توضع فيهما الاحجار لنقلها الى مكان بناء الجامع، بهذه الطريقة كانت تنقل الاحجار من قبل مجموعة العمال الايزيديين والمسلمين والمسيحيين الذين قاموا بنقل الاحجار من جبل السبلوت الى مكان الجامع.
بدأ العمل ايضاً في مكان بناء الجامع، من حفر وتعديل الارض قرب تل الحلان، بواسطة مجاميع اخرى من العمال ضمن العمل الشعبي التطوعي، وايضاً كان هناك مجموعة اخرى تعمل في كسر وتعديل الاحجار ونقشها من قبل النقاشين(النقارين) بشكل يوازي ويلائم البنيان الهندسي من الطراز المعماري العباسي. بعد تهيئة المواد اللازمة من الحجر والسمنت والرمل واللوازم الاخرى. والنقاشين(النقارين)الحجر الذين كانوا يعملون هم كل من بير عيدو، بير كريت وغيرهم من سكان قضاء الشيخان.
بدأ البنائين والعمال من الايزيديين والمسيحيين والمسلمين في بناء الجامع في سنة 1942م بالحجر المؤشر، واستمر العمل في بناء الجامع سنتين الى سنة 1944م، حيث مر بناء الجامع في مراحل عديدة، من مرحلة تجهيز المواد وتعديل الارض وحفر الاساس ومرحلة البناء، وصب ارضية سطح الجامع بالأيدي العاملة، ومن ثم بناء مأذنة الجامع بارتفاع 68 متر من اسفل التل وبارتفاع 33متر من فوق التل، وساهم مكونات قضاء الشيخان من الايزيديين بشكل اساسي مع المسلمين والمسيحيين.
البنائين الذين شاركوا في بناء جامع الشيخان القديم هم نعمان عبو غزالة، وعلي شرو، ومن المسيحيين كان البناء حنا ابو فينو، وقيل انه توفي بعد اكمل مأذنة الجامع، العمال من جميع المكونات الايزيديين والمسلمين والمسيحيين شركوا في بناء جامع الشيخان القديم والى الآن شاخصة في عين سفني مركز قضاء الشيخان.
لقد استمر الترميمات في جامع الشيخان القديم بعد سنة 1944م والى الان مرات عديدة من قبل وزارة الاوقاف واوقاف المسلمين، وتم بناء قاعة بجانب الجامع وغيرها من الامور. ستظل هذه القصة تذكيرًا مؤثرًا بإمكانية التعايش السلمي. يعتبر هذا الحدث صرحٌ من القيم، ان قصة بنائه تثبت أن الاختلاف الديني لا يلغي الإرادة المشتركة لصنع الخير، هذه الذكرى تستحق أن تُدرّس في المناهج، وتُروى في المنتديات، كي تبقى شمعة تنير دربًا من الظلام.
قصة جامع شيخان هي أكثر من مجرد بناء مكان للعبادة؛ إنها سردية قوية عن قدرة المجتمعات المتنوعة دينيًا وثقافيًا في العراق، وخاصة في كردستان ومناطق مثل شيخان، على تجاوز الخلافات وبناء جسور التعاون والتضامن.
بعد سنة 2003 اصبح جامع الشيخان ظاهرة بارزة تعكس التعايش السلمي بين مختلف الاديان، حيث يشارك الإيزيديون والمسيحيون اخوانهم المسلون في احياء طقوسهم الدينية، خاصة في المولد النبوي، حيث يتبادلون الزيارات في المناسبات الدينية، ويشاركون في المناسبات الاجتماعية، ويتعاونون في المشاريع الخيرية. قي هذه الفترة كان الملا يونس يدير شؤون جامع الشيخان، وهي شخصية متسامحة، عمل الكثير في تقوية اسس التعايش والتعاون بين مكونات الشيخان.
إنها تذكير عملي بأن “الوطن للجميع” وأن الأمن والاستقرار والازدهار يبنى بيد الجميع، مستلهمين القيم الإنسانية المشتركة وقيمة المواطنة. هذه القصة حقًا تستحق أن تُحكى كمنارة للأمل ونموذجاً يُحتذى به في زمن تشتد فيه الحاجة لمثل هذه النماذج الناجحة من التعايش.
إن التعايش في قضاء الشيخان ليس شعارً، بل مشاركة حقيقية في بناء المسجد كانت فعلًا ملموسًا، يذكّرنا بأن التعايش يحتاج إلى أفعال لا أقوال، هذه الذاكرة التاريخية يمكن توظيفها اليوم لبناء حوارات بين الأديان في العراق والمنطقة.
المصادر :
1ـ اسماء الشخصيات الذين عاصروا بناء جامع الشيخان والذين تناقوا هذه القصة التاريخية:
بير علي سليمان مجيور، بير درويش مجيور، بير كافان مجيور، بير علي سلو مختار، عبدي بلنك، والبناء نعمان عبو غزالة وعلي شرو، والبناء حنا ابو فينو، حجي شكو، محمد امين/ ابو حميد، خلف ابو صبحي، نعمان عبو غزالة، علي شرو، حنا/ ابو فينو
2ـ لقاء مع المختار بير مازن حول قصة بناء جامع الشيخان، حيث ذكر لنا اسماء البنائين والنقارين والذين عاصروا بناء الجامع.
3ـ لقاء مع الكاتب قاسم مرزا الجندي في اضافة بعض التعديلات والأحداث التاريخية الى المقال.
4ـ لقاء مع الكاتب حجي علو حول الموضوع.
5 ـ قصة بناء جامع الشيخان القديم، يتناقله أهالي قضاء الشيخان، من قبل كبار السن وكبار القوم من الايزيديين والمسلمين والمسحيين.