وصية كوجك برهيم و رحلة كلش جلو سنة 1837 إلى لالش
4 حەفتە ago
9 ديتن
بقلم بير خلات إلياس جعفو
اجتمع كبار وعقلاء ووجهاء بلاد الخالتية وتشاوروا قائلين: ” فلنذهب نحن ايزيديين بلاد الخالتا إلى عيد جماعية شيخادي في معبد لالش النوراني المقدس، لنحضر مراسيم عيد الجماعية”. فاتفقوا جميعاً على رأي واحد، وتطوعت مجموعة من أغاوات وعقلاء وشجعان الخالتية وانطلقوا نحو لالش.
كان كلش جلو ليس كبيراً في السن، عمره ثمانية عشر عاماً، ذهب مع جماعة الخالتيين ووصلوا إلى لالش النوراني في سنة 1837. وفي تلك الأبواب ودواوين الخواص والأطهار اتفقوا وشاركوا في أيام عيد الجماعية السبعة. وفرح بهم كثيراً أهل ولات الشيخ والشنكاليين والامير وبابا شيخ كوجَك برهيم أختيار المرگه، والكواجك والفقراء و الخمتكارين في لالش النوراني بمجيئهم، ودعوا لهم كثيراً بالخير.
في يوم العيد، أي اليوم السابع من الجماعية، تجمعت جماعة الخالتيين في لالش، وزاروا عتبة شيخادي وذهبوا إلى يد بابا شيخ. فأعطى بابا شيخ كل واحد منهم برات ودعا لهم بالخير على خدمتهم ومجيئهم، ووضع يده واحداً واحداً على رؤوسهم وقال لهم: “الله وربي يكون معكم، وطريقكم طريق خير”. وفي آخرهم جاء الشاب كلش جلو إلى يد بابا شيخ ليودعه. فقال له بابا شيخ كوجَك برهيم أختيار المرگه: يا كلش انت اليوم ابق عندي هذه الليلة، وغداً اذهب إلى بلادك”.
فقال كلش جلو : “حاضر يا بابا، كما تشاء، سأكون في خدمتك”. كَلَش شاب عمره 18 سنة، وهذه أول مرة يأتي فيها إلى لالش ولا يعرف مكاناً.
وعندما وصلت جماعة الخالتيين إلى معبر برا عنزل، علموا أن شاباً جاء معهم والآن ليس معهم، فقالوا: “فلنذهب إلى بابا شيخ ونسأله لماذا لم يأتِ”. فسألوا عن كَلَشِي جَلُو، فقال لهم كلش: “بابا شيخ قال لي ابقَ هذه الليلة، و غداً سأرسلك، و ودع أصحابك يذهبون، وأنت في رعاية الله و خوداني”.
حزنوا كثيراً على كلش وقالوا: “كيف سيبقى هذا الشاب وحده؟” لكن بابا شيخ قال: “هو في رعاية الله وربي”. وكانوا يؤمنون بسر وكرامة الأختيار، فرحلت جماعة العقلاء وشجعان الخالتية وعادوا إلى بلاد الخالتية، وبقي كلش في لالش.
البابا شيخ أختيار المرگه و كلش جلو وحدهما في مجلس الشيخ فخر، وأسدى بابا شيخ نصائح ووصايا كثيرة وعلّم كلش أركان الدين والإيمان بتوحيد الله.
وقال له بابا شيخ: “استيقظ غداً باكراً واجعل طريقك خيراً. عندما تصل إلى مدينة الجزيرة بِتْ ليلتك هناك، ثم اذهب إلى نسيبين، أطعم حصانك واسقه، ثم اذهب إلى مدينة ماردين. وعندما تصل إلى مدينة ماردين سيكون وقت الغروب، اذهب على يدك اليسرى، ستأتي أمامك ثلاثة أزقة، ادخل الزقاق الثالث. عندما تصل إلى منتصف الزقاق سيضيق الزقاق، وسترى رجلين تركمان يضايقان رجلاً إيزيدياً. ستصل إليه وتخلص ذلك الإيزيدي من أيديهما دون تردد، واخرج من المدينة فوراً واتجه نحو أعزاز ولا تنظر خلفك، أنا معك. أطلق العنان لحصانك فهو سيأخذك إلى أعزاز. وستواجهك مشكلة، كن صاحب عزيمة واجعل حصانك يركض حتى مغارة زفنكا زوروي الخالتي. وهناك اجمع الكبار والعقلاء والوجهاء وأوجاغات الخالتية، وأبلغهم سلامي وقل لهم: كوجَك برهيم أختيار المرگه أوصى بهذه الوصية”.
استيقظ كلش جلو قبل الفجر، وغسل يديه ووجهه، ووقف باتجاه شروق الشمس وبدأ بالعبادة لله العظيم، وزار وذهب إلى يد بابا شيخ واستأذنه. فأعطاه بابا شيخ كوجَك برهيم أختيار المرگه التسكرة برات (بەرات) ووضع يده على رأسه ودعا له وقال: “الله وربي يكونان معك، وطريقك طريق خير”.
انطلق كلش، واتفق مع الطريق، وذهب من معبر برا عنزل، واتجه نحو لحفة القائديية وركض ومر بديربون الماسكا، وتوكل على الله وعبر ماء الخابور، وركض دون توقف حتى وصل أراضي مدينة الجزيرة. نزل من حصانه وأكل بعض الطعام الذي كان معه، وربط حبل حصانه بشجرة ونام. استيقظ قبل الصبح، وغسل يديه ووجهه و توجه للعبادة الله قبل شروق الشمس، وفك حبل حصانه من الشجرة وأخذه إلى الماء فسقاه، وركب حصانه وركض نحو نسيبين.
في نسيبين أطعم حصانه وسقاه، وكسر جوعه وعطشه، وركض إلى مدينة ماردين.
دخل كلش جلو أزقة مدينة ماردين، ووضع نصائح ووصايا اختيار المرگه في ذهنه. عد ثلاثة أزقة، ودخل الزقاق الثالث على اليد اليسرى، وتوكل في الزقاق وركض، وغربت الشمس. فرأى كَلَش رجلين من ماردين يضايقان شاب أيزيدي ويقولان له: “اترك دين طاووسي ملك، واشهد بدين الإسلام”. فسحب كَلَش خنجره وصوبه نحوهما وقال: “أطلقوا سراح الشاب الإيزيدي فوراً وإلا سأقتلكما”.
فقال الرجلان: “لن نطلقه حتى يُسلم”. فقتل كَلَش كليهما وأنقذ الشاب الإيزيدي. وأطلق كَلَش العنان لحصانه، فركض الحصان من تلقاء نفسه إلى أسفل المدينة من الجهة الجنوبية حتى خرج من المدينة، ومشى مسافة وأصبح الصباح. فنزل كَلَش من حصانه وجمع بعض الأغصان والأوراق الخضراء وأطعم حصانه، وربط حبلها بشجرة. ودخل كَلَش بين صخرتين ونام، وثقل عليه النوم حتى ارتفعت الشمس، و شعاع الشمس تأثرت جسده فاستيقظ، وغسل يديه ووجهه، وتوجه نحو الشمس ودعا الله بما يريد، وفك لجام حصانه وركبه واتجه نحو السهل الواقع بين سروج وجنقلعا، وركض ببطء حتى وصل أراضي وحدود كلس وأعزاز.
وعند منتصف الليل، جاء صوت صراخ إلى كَلَش، وعندما سمع صوت صراخ فتاة، ركض بحصانه أكثر نحو الصوت ووصل، فإذا بفتاة إيزيدية تهرب تلك الليلة وهي تصرخ. فناداها كلش وقال: “يا أختي لا تخافي، لقد جئت”. وعندما سمعت الفتاة صوت رجل يتكلم بلغتها، توقفت فوراً وقالت: “أنا في بختك و ضميرك، احمني من يد الوحش الذي يلحق بي”.
فمد كلش يده وأركبها خلفه على الحصان وقال: “خيراً يا فتاة، ماذا تفعلين في منتصف الليل؟”
فقالت الفتاة: “أنا إيزيدية، نحن من زفنكا زورو. ابن عمي هربني إلى هذه القرية التي أمامنا، بيت المختار من العرب السوريين. وقد أخفوني أنا وصديقي منذ يومين، وهذا المساء أراد ابن المختار أن يتزوجني، فهربت وهو يلحق بي وسيرغمني، أنا في بختكم، أنا إيزيدية فاحمني”.
فقال لها كلش: “لا تخافي”. وركض باتجاهم فرأى ابن مختار العرب وصديقين له، فقتلهم ثلاثتهم. وذهب إلى بيت المختار وأخذ صديق تلك الفتاة معه، وقالا للمختار: “اذهب وابحث عن جثة ابنك”. وركضوا بالخيل واتجهوا نحو مغارة زورو الخالتي، حتى طلعت الشمس ووصلوا زفنكا زورو، وذهبوا إلى قصر زورو.
أرسل كلش في طلب الكبار والعقلاء والوجهاء والأغاوات وشجعان الخالتية من زفنكا والمناطق القريبة منها، وحتى الظهر حضر كثير منهم. فأبلغ كلش سلام كوجَك إبراهيم أختيار المَرگَه إلى بيت زورو وجميع إيزيدييون الخالتية وقال لهم: “بابا شيخ أختيار المرگه في لالش النوراني أوصى أنه من يطلب فتاة بالحلال على طريق الله وبقانون حد وسد الإيزيدية من أمها وأبيها، وإذا لم يعطوها له، وهرب الشاب والفتاة، فلا يجوز للأب والأم أن يهجّروهما. وإذا أصر الأب والأم، فحينئذ يجوز تهجير الأب والأم العاصين من القرية، ولا يجوز تهجير الفتاة والشاب. وأي شاب يهرب بفتاة ويذهب بها بين الغرباء من غير ملتنا، فتلك الفتاة وذلك الزواج إثم وغير مقبول، لأن الملة الغير الايزيدية تطمع في فتيات وشباب الإيزيديين وتغريهم وتخدعهم. لهذا نحن لا ندعو لمن يذهبون بالخطف إلى بين القرى لغير الايزيدية ، وندعو لمن يفعل بطريق الله والإيزيدية ويحمي فتياته وأبناءه بين الإيزيديين. وإذا كنتم على قرار إيزي فستنجحون وتفلحون، وعلم الله يقول:
إيزي هو الخالق بنفسه
وألف اسم سماه لنفسه
لكن الاسم الأعظم هو الله وحده”.
فقام بيت زورو وأولئك الكبار والوجهاء والأغاوات وشجعان الخالتية احتراماً لسلام ووصية أختيار المرگه، وقبلوا جميعاً تلك النصيحة. ومنذ ذلك الحين قُبل الخطف بين إيزيديي الخالتية بشرط أن لا يأخذ أحد مخطوفته بين الإسلام .
للعلم، منذ سنة 1837م قُبل خطف العشاق في الخالتية، وفي سنة 1914 قامت الفرمان والإبادة على أيزيدية الخالتية حتى سنة 1917 واستمرت ثلاث سنوات. وتشتت الخالتيون وهاجروا، وذهب بعضهم إلى جبل سنجار. ومنذ ذلك الوقت بدأ أهل سنجار أيضاً وقُبل الخطف في سنجار كذلك. وحتى سنة 2014 قام الفرمان الأسود مرة أخرى، وجاء الشنكاليون مع الخالتيين إلى ولات شيخ، وأصبح الخطف مقبولاً في البلاد أيضاً. وحتى الآن الإيزيديون يراعون قرارات الآباء والأجداد، ويسامحون بعضهم البعض. مع الاحترام والسلام.
المصدر:
هذه الأقوال والقصة نقلاً عن المرحوم فقير جندو خدر حسين من أهالي قرية بكرا في جبل سنجار. وقد تلقيته في لالش النوراني في سفرة “نان وماستا” بتاريخ 26/3/2000 يوم الخميس، قمت بتدوينها.
كان المرحوم فقير جندو شخصاً مجالساً وصاحب أدب وعلم ومعرفة تاريخية ودينية، وفي سنة 2006 انتقل إلى رحمة الله، وروحه في جنة الخلد.