المرأة العراقية بين الكوتا والتهميش في صناعة القرار

د. نغم حسن

ناشطة في حقوق الإنسان

على الرغم من مرور سنوات من الجدل النظري والسياسي حول تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها، لا تزال المرأة العراقية تراوح مكانها في مواقع صنع القرار الاستراتيجي. صحيح أن هناك مقاعد مخصصة في البرلمان بموجب نظام الكوتا (نسبة 25%)، لكن هذا الحضور الرقمي تحوّل، في كثير من الأحيان، إلى فخٍّ مؤسساتي؛ إذ تستخدم الكتل السياسية هذه المقاعد كأوراق ضغط أو كغطاء صوري لإضفاء الشرعية الدولية على نصوصها، دون أن تمنح النساء المنتخبات هامشاً حقيقياً للتصويت المستقل أو اقتراح القوانين الجوهرية. فالمرأة النائبة كثيراً ما تجد نفسها ملزمة بالتصويت حسب توجيهات البيت السياسي، مما يحوّل حضورها إلى ظلٍّ باهتٍ للنفوذ الحقيقي.

لا تقف العقبات عند السقف السياسي، بل تمتد إلى بنية اجتماعية عميقة تنظر إلى المرأة باعتبارها تابعة أو مكمّلة، لا شريكاً في المصير. ففي مجتمعٍ ما زالت العشائرية والأعراف تهيمن على مفاصل الدولة، تواجه المرأة التي تسعى إلى منصب قيادي (كوزير أو محافظ أو رئيس لجنة برلمانية) اتهامات ضمنية بـخرق التقاليد، وتُواجه بعراقيل إدارية وتنمر سياسي يدفعها إلى الانسحاب تدريجياً من الحلبة التنافسية. والأخطر من ذلك، أن القرارات الكبرى المتعلقة بالأمن والسياسة الخارجية والمال العامة، تظل عصيّة على تدخل النساء، وكأن شؤون الحرب والسلام حكرٌ على الرجال، رغم أن النساء هن الأكثر تضرراً من تداعيات النزاعات الداخلية.

هذا التهميش الممنهج يقودنا إلى سؤال أكثر إلحاحاً وإشكالية إذا كانت المرأة العراقية، التي تنتمي إلى المكون الغالب العربي أو الكردي، تعاني هذا الإقصاء، فكيف يمكن لامرأة إيزيدية، تنتمي إلى أقلية دينية وعرقية مضطهدة تاريخياً، أن تجد لها موطئ قدم في العملية السياسية الخاصة بمكونها؟

بعد أحداث 2014 المأساوية، تحوّلت المرأة الإيزيدية إلى أيقونة ألم عالمية (بفضل جهود الناجيات الايزيديات، وبالأخص جهود مثل نادية مراد)، لكن هذا الاهتمام الدولي لم يترجم إلى نفوذ سياسي محلي. بالأحرى، استُخدِمَت معاناة النساء الناجيات من داعش كورقة سياسية لابتزاز المجتمع الدولي، بينما تُهمش أصواتهن في المؤسسات الإيزيدية المختصة بإعادة الإعمار وتعويض الناجيات. فالمرأة الإيزيدية التي تمكنت من الوصول إلى منصبٍ ما، تجد نفسها غالباً أسيرة التوازنات الحزبية، حيث يُنظر إليها كـكوتة داخل الكوتة – حضورٌ رمزي لإرضاء المنظمات الدولية، لكن دون سلطة حقيقية في رسم مستقبل سنجر أو تخصيص ميزانيات إعادة الإعمار.

وحتى عندما تُطرح قضايا تخص المرأة الإيزيدية تحديداً، كملف المفقودات والناجيات والأطفال مجهولي النسب، نجد أن القرار النهائي يبقى بيد اللجان الدينية والعشائرية الرجالية، التي تنظر إلى هذه القضايا من زاوية الأعراف وليس من زاوية العدالة . لذا، يمكن القول إن وضع المرأة الإيزيدية هو مرآة مكبرة لوضع المرأة العراقية، لكنها مرآة مشوهة بخيبات إضافية فهي تهمش لأنها امرأة، وتهمش مرة أخرى لأنها إيزيدية في بيئة متناحرة، وتهمش ثالثة لأن صوتها السياسي يُختزل في جراحها الماضية بدلاً من أن يُستثمر في كفاءاتها الحاضرة.

في الختام، إن تحقيق الشراكة الفعلية، سواء للعراقية أو للايزيدية، يتطلب ثورة في الفكر السياسي لا في النصوص القانونية فقط. بل يجب الانتقال من ثقافة منح المقعد إلى ثقافة بناء القدرات، وفرض آليات محاسبة داخل الأحزاب والتكتلات العشائرية على تهميش الكفاءات النسوية. بالنسبة للإيزيديات، يقتضي الأمر وضع آلية انتخابية داخل المؤسسات الإيزيدية تضمن تمثيلاً مستقلاً للنساء، لتكون أكثر شمولاً للنساء اللواتي قدّمن تضحيات لا تُقدّر بثمن، ولا يزلن ينتظرن دوراً في صنع السلام، لا في تزيين قوائم المفاوضات. فإذا كانت المرأة العراقية تبحث عن صوت، فإن المرأة الإيزيدية تبحث عن صوتها داخل صوتها، وسط زحام الأوصياء والوسطاء.

رغم مرور سنوات على الحديث عن تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها السياسية، لا تزال المرأة العراقية تواجه تهميشًا واضحًا في مواقع صنع القرار. فوجودها في البرلمان والمؤسسات السياسية لا يعني بالضرورة امتلاكها نفوذًا حقيقيًا في رسم السياسات أو التأثير في القرارات المصيرية التي تحدد مستقبل البلاد.

المشكلة لا تكمن فقط في انخفاض نسبة تمثيل النساء، بل في استمرار النظرة إلى المرأة باعتبارها عنصرًا تكميليًا أو واجهة سياسية، بدل التعامل معها كشريك كامل يمتلك القدرة والخبرة والحق في قيادة المؤسسات والمشاركة في صناعة القرار.

كما أن كثيرًا من النساء يواجهن عوائق سياسية واجتماعية وحزبية تحد من وصولهن إلى المواقع القيادية، بينما تبقى القرارات الأساسية في كثير من الأحيان حكرًا على دوائر سياسية يغلب عليها الطابع الرجولي.

إن تحقيق مشاركة سياسية حقيقية للمرأة يتطلب الانتقال من التمثيل الشكلي إلى الشراكة الفعلية، ومن منح المرأة مقعدًا في المشهد السياسي إلى منحها صوتًا مؤثرًا في صناعة القرار.

وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية اذا كانت المرأة العراقية لا تزال تواجه التهميش في مواقع القرار، فكيف هو واقع المرأة الإيزيدية داخل العملية السياسية الإيزيدية؟ وهل تُمنح دورًا حقيقيًا في رسم مستقبل مجتمعها، أم أن حضورها لا يزال في كثير من الأحيان رمزيًا..؟

ڤان بابەتان ببینە

الذكرى 65 لثورة أيلول التعليم في ثورة أيلول… حين كان بناء الإنسان معركةً لا تقل عن حمل السلاح

شيركو حبيب لم تكن الحرب وحدها هي التي تحدد شكل الحياة في المناطق التي امتدت …