الجذور التاريخية والثقافية لطقوس أعياد نوروز

قاسم مرزا الجندي

المقدمة

يُعتبر عيد نوروز من أقدم المناسبات الاحتفالية في تاريخ البشرية، إذ تعود جذوره إلى آلاف السنين، ويُعدّ جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية للكُرد، الذين دأبوا على الاحتفال به بشكل رسمي وشعبي على مدار أكثر من خمسة آلاف عام. هذا العيد متأصل في تراث الشعوب ذات الأصول الآرية، ويحمل أسماء متعددة ومتقاربة في النطق مثل “نوروز”، “نوفروز”، “نيفروز”، و”نفروز”، وكلها تدل على نفس المعنى.

في اللغة الكردية، يُترجم لفظ “نوروز” حرفياً إلى “اليوم الجديد”، ويُعتبر بداية العام الجديد لدى الكُرد وكذلك وفق التقويم الزرادشتي. ومن حيث الاعتقادات والممارسات، يجسد هذا العيد حدثاً ثقافياً وتراثياً يمتد جذوره إلى عصر ما قبل ظهور الديانات الإبراهيمية، مترابطاً مع العادات والشعائر الموروثة التي أثّرت في الهوية الثقافية والطقوس الروحية لتلك الشعوب. وعلى الرغم من المحاولات التاريخية للسلطات والنظم المختلفة لإخماد هذا التراث الثقافي في بعض العصور، نجد طقوس نوروز وبقيت كنزاً متوارثاً تُقدِسه الأجيال عبر عقود طويلة.

بين طيات التاريخ الإنساني، تلعب الأساطير والخرافات المتناقلة دوراً هاماً في بناء هوية الشعوب، وشكّل نوروز جزءاً من ذلك المشهد. تتناول الذاكرة الشعبية وتحديداً في الأدب الكردي، هذا اليوم بأساطير ذات دلالات عظيمة، مثل أسطورة البطل “كاوه”، التي تعكس رمزية النضال والأمل. وهكذا، أصبح نوروز بُعداً عاماً يحتفي بقيمة التجدد والنهضة، وجسراً يصل بين الأجيال لتعزيز اعتزازهم بتراثهم.

من الناحية الفلكية، يتزامن عيد نوروز مع ظاهرة الانقلاب الربيعي في 21 مارس من كل عام، حين تبدأ الشمس عبورها لبرج الحمل معلنةً بداية عام جديد وفق الحركة الكوكبية. وتضيف طبيعة هذا الاحتفال طابعاً شمولياً يسمو فوق الانتماءات القومية أو الدينية، حيث يتشاركه ملايين الناس من ثقافات مختلفة. فمن الكُرد والفرس، إلى الأتراك والطاجيك، وأقوام أخرى كالبلوش والبشتون والقرغيز، امتدت هذه التقاليد حتى وصلت إلى البلقان وأجزاء من أوروبا الغربية ومصر.

لا تتجلى أهمية هذا العيد فقط في كونه مناسبة ذات طقوس تقترن بالطبيعة، بل في معانيه الرمزية التي تحتفي بروح التجديد وبدء دورة الحياة. ذلك أن قدوم الربيع يأتي بمثابة انتصار للخصوبة والقوى الإيجابية التي تنتصر على الخمول والجمود، كما يُعد رسالة اجتماعية لإحياء الأمل والإصلاح في خضم الموجات الفردية أو الجماعية من التحولات. بهذه الرمزية الجامعة، يتجدد عيد نوروز كتصور خلاق يحتفي بالنهضة المجتمعية ومواسم الطبيعة التي تحيي نور الحياة.

تاريخ وتسمية  نوروز (Nowruz)

نوروز ظل حياً في ذاكرة ووجدان الأجيال المتعاقبة منذ آلاف السنين، ويحتفل به شعوب عديدة في احياء هذه المناسبة القديمة، ولها رمزية خاصة بالنسبة للشعب الكُردي، ويُعد نقطة تحول في حياته و رسالة الحياة والأمل، و ذكرى قومية لتحررهم من الظلم والعبودية.

نوروز مصطلح كُردي يتكون من كلمتين الاولى تلفظ بالكردية ” نو ” او ” ني ” ويعني الجديد، والكلمة الاخرى روز يعني اليوم، والمصطلح ” ني ـ روز ” ” نو ـ روز” يعني اليوم الجديد، وهي عيد رأس السنة الكُردية والفارسية، ويحتفل بها الكثير من الشعوب في العالم من المنطقة الممتدة بين الهند واطراف اوربا الشرقية وكُردستان تقع في مركز هذه الاوطان.

يحتفل بنورز العديد من الشعوب والامم في العالم، رغم اختلاف الثقافات بينهم، يرجع أصل هذا العيد وفق الروايات إلى عدة تقاليد وجذور دينية وعلاقتها الوثيقة بالديانة المترائية والازائية والزرادشتية التي مارست الاحتفالات بهذه المناسبة منذ العهد السومري قبل (5000) سنة ق.م.

أنّ يوم نوروز كان يصادف الأول من نيسان حسب التقويم السومري، هذا يعني أن نوروز كان يصادف عيد”زكموك” (Zag-mug) وعيد (أكيتو) السومري والبابلي، الذي كان يُقام في الأول من شهر نيسانو من كل عام حسب التقويم السومري والبابلي، وبذلك فأن عيد نوروز هو إمتداد لعقيدة ِهذين العيدين، وتعود جذورها الى آلاف السنين قبل الميلاد، حيث كان أسلاف الكورد السومريون يحتفلون في  (21 آذار) بمناسبة  رأس السنة ويوم الخلق وكذلك تحرر الشمس من قبضة الظلام.

ومن الجانب الاخر يرتبط عيد نوروز بالقومية الثورية الكُردية وتتعلق بانتصار دولة ميديا في الحرب، بعد الانتصار الذي حققه الميديين بقيادة كيخسرو “كيخسروي” على الإمبراطورية الاشورية في نينوى عام 612ق.م. ولعظمة هذا اليوم العظيم الذي يعتبر أحياءً للثورة والانتصار لدى جميع الشعوب الآرية، أستمر الشعب الكُردي والشعوب الآرية في ممارسة الطقوس الخاصة بهذه المناسبة القومية في يوم نوروز.

التاريخ المنطقي لهذه المناسبة في حياة الشعب الكُردي والشعوب الآرية التي كانت تعيش في موزبوتاميا وإيران وسلسلة جبال طوروس وزاغروس، كانت الامبراطورية الاشورية تمارس الإستبداد بحق الجميع، وكان السبيل للتخلص من تلك السطوة هو توحيد هذه الشعوب الآرية لمواجهة الظلم والاستبداد التي كانت تمارسه الامبراطورية الاشورية بحقهم.

تحقق النصر بعد سقوط  نينوى عاصمة الاشوريين وأنتهت الحرب فعلياً في يوم 20/3، وفي اليوم التالي احتفل المنتصرون باليوم الجديد في 21/ اذار، او توافق انتصار دولة ميديا في عيد رأس السنة السومرية والبابلية وتسمى بالكردية وفي لغة معظم الشعوب الآرية بـ ” نو روز “، وبعدها عمت السلام في المنطقة وتقاسم المنتصرون الأرض حيث سيطرت ميديا على نينوى وشمالاً، بينما البابليين على جنوبها.

كان الدافع لدى الشعوب الارية في الاتحاد تحت مسمى ” ميديا “، لقيادة المقاومة ضد الآشوريين، فالتحق البابليون والليديون أجداد الأرمن، القادمون من شرق البحر الاسود، بقافلة الحرب المفتوحة التي أنتهت بنصر عظيم لإسقاط إمبراطورية آشور بتاريخ612 قبل الميلاد،

يرتبط عيد نوروز بحدثين هامين أولهما فلكي مرتبط بيوم 21 مارس/آذار(الانقلاب الربيعي) فيها يتعامُد الشمس على  (خط الاستواء)، جالبة الاعتدال الربيعي إلى نصف الكرة الشمالي, والاعتدال الخريفي إلى النصف الكرة الجنوبي، حيث تتساوى فيه ساعات الليل والنهار، ومن الجانب الاخر يرمز إلى قدوم فصل الربيع وانبعاث الطبيعة وتكاثر الكائنات.

الاقتران الفلكي في يوم نوروز

الاقتران الفلكي المرتبط بيوم نوروز هو حدث فلكي مرتبط بموقع الشمس في السماء، وليس اقترانًا بين كوكبين أو أجرام أخرى، يعتبر هذا الحدث ” اقترانًا ” رمزيًا بين الشمس والأرض من ناحية موقعها المداري، حيث تصل الشمس إلى بداية برج الحمل فلكيًا في مدارها، أي اللحظة التي تعبر فيها الشمس خط الاستواء السماوي، وتتساوى فيه ساعات النهار والليل في جميع أنحاء العالم.

يدور كوكب الارض حول الشمس ويتحرك في مواقع ومدارات متعددة ينتقل من خلالها حول أفلاك النجوم والابراج, ويتداخل حركتها في مدارات الكواكب الاخرى فيحدث عنها اقترانات فلكية وكوكبية لها تأثيراتها الكبيرة على حياة الانسان منذ ظهوره على كوكب الارض، يدخل كوكب الارض الى الحركة الاعتدالية عند دخول الشمس الى برج الحمل في 21 مارس/ اذار, يتكون الاعتدال الربيعي بزاوية تساوي صفر درجة, ويقول بعض العلماء أن الاعتدال الربيعي يبدأ بين برجي الحوت والحمل وفي اللحظة الفاصلة بينهما.

عندما تشرق الشمس في برج الحمل يخفي البرج ولا يمكن رؤية نجوم برج الحمل خلال شهر كامل، لأن البرج يكون في السماء النهاري ولا يمكن مشاهدة نجومه, عند هذا الاقتران الفلكي تزداد خصوبة الأرض، وتنمو سنابل الحنطة في الحقل وتأتي الربيع وعيد نوروز في رأس السنة، في الثقافة الزرادشتية، يُرمز الاعتدال الربيعي إلى انتصار النور على الظلام وتحرر الشمس، وهو ما يتوافق مع حركة الشمس الفلكية.

ان الصورة الفلكية المثرائية المنقوشة على الحجر في الكهوف، تشير الى الاقتران الفلكي في يوم نوروز، والتي تعود إلى أكثر من آلفي سنة قبل الميلاد، حيث تؤكد الترابط الفلكي الدقيق بين فصلي الربيع والخريف، وتشكلان زاويتين متقبلتين في دائرة البروج الفلكي حسب التقويم الفلكي.

ان الاعتدالين تشير الى الترابط الفلكي بين عيدي “نوروز ــ زكموك الثاني”([1]), وبمعنى أوضح أن (الشمس) يقضي على الثور عندما يدخل الشمس إلى برج الثور ويخفيه من دائرة البروج خلال اكثر من شهر, ولا يمكن رؤية برج الثور خلال ست شهور لأنه يكون في سماء النهار, عند هذا الاقتران الفلكي تزداد خصوبة الأرض، وتنمو سنابل الحنطة في الحقل وتأتي الربيع وعيد رأس السنة.

بعد ستة أشهر من عيد نوروز تكون الشمس قد تهيأ للدخول إلى برج العقرب وهو نهاية فصل الخريف الذي تموت فيه الأعشاب وتتساقط أوراق الأشجار عند نهاية هذا الفصل نجد العقرب تقضي على خصوبة الأرض، لمدة ستة أشهر قادمة إلى أن يأتي الربيع ويتهيأ الشمس للدخول إلى برج الثور ثانية، هذا ما تمثله الصورة المثرائية الفلكية التي تؤكد في معناها العلمي والفلكي الدقيقين في دوران الافلاك.

نوروز اليوم الدولي (Nowruz International Day)

نوروز اليوم الدولي هو احتفال دولي يُعترف به من قِبل منظمة الأمم المتحدة، حيث أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2010 (القرار رقم 64/253) يوم 21 اذار/ مارس من كل عام يومًا دوليًا للنيروز. جاء هذا القرار تقديرًا للقيمة الثقافية والتاريخية لهذا العيد الذي يُعتبر أحد أقدم الاحتفالات البشرية، حيث يُحتفل به شعوب كثيرة تقدر بأكثر 300مليون من الشعوب الهندوأوروبية.

يساهم هذا العيد في تعزيز التنوع الثقافي والصداقة بين الشعوب وبين مختلف الامم، فإنه يتماشى مع اهداف ومواثيق اليونسكو، لذلك أُدرج عيد النيروز، وفقاً لاتفاقية عام 2003 الخاصة بصون التراث الثقافي غير المادي، باعتباره عنصراً من عناصر هذا التراث، في قائمة اليونسكو التمثيلية للتراث غير المادي للبشرية، في عام 2009.

يعتبر رمزًا للتعايش بين الثقافات والأديان المختلفة، ومتجذرًا في التراث الزرادشتي، وأقدس أيام التقويم الزرادشتي القديم حيث يُحتفل بقدوم الربيع كرمز للتجديد والخصوبة. يرتبط بتاريخ الاعتدال الربيعي، وهو حدث فلكي يُعلن بداية السنة الشمسية الجديدة في التقويم الكُوردي والفارسي يرمز إلى تجدد الطبيعة وبداية فصل الربيع. وهو حدث سنوي يكرم خلاله التراث المشترك وتقاليده المرتبطة بشعوب من ذوي خلفيات دينية وثقافية تاريخية مشتركة، تعود تاريخها الى ما قبل ظهور الاديان الابراهيمية، انتقلت من جيل إلى آخر رغم الاحكام المانعة لهذا الحدث العقائدي في يوم نوروز.

عيد نوروز تقليد تاريخي يعود أصله تاريخياً الى حوالي أكثر من ثلاثة آلاف سنة، في احتفالات موروثة عن الأسلاف تُقام بمناسبة حلول أول يوم في فصل الربيع في حدث فلكي وسنة جديدة، يُعرف هذا التقليد التاريخي بأسم  نوفروز أو نوروز أو نيفروز، ويحتفل به في العديد من البلدان في وسط آسيا والبلقان وحوض البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط وسائر المناطق، في مصر والعراق (خاصة الأكراد) وايران وباكستان وأفغانستان وأذربيجان والهند وكازاخستان وقيرغيزستان، وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، ويحتفل به في بعض مناطق تركيا والهند وغيرها من الاقوام.

تطور احتفال نوروز وتوسع، حيث ظهر فيها تأثيرات اجتماعية ودينية وثقافية جديدة، على الرغم من تشابه التقاليد والعادات المرتبطة بعيد نوروز من بلد إلى آخر، إلا أن هناك العديد من السمات الموحدة في معظم المناطق، مثل اشعال النيران والقفز فوق النار، والطقوس الخاصة والاستعدادات قبل نوروز في أيام الاربعاء قبل نوروز، وكذلك تلوين البيض الذي يعتبر رمزاً لولادة الطبيعة والكائنات، وزيارة المقابر وغيرها من الامور.

الروايات والأساطير حول أصل نوروز (Nowruz)

إن الطقوس المرتبطة بعيد نوروز تُبرز العلاقة العميقة بين الإنسان والأرض. يرتبط حدث نوروز بالعديد من الأساطير والروايات التي تتحدث عن أصل حقيقته، وتختلف باختلاف الثقافات للشعوب والأمم، منها ارتباط هذه المناسبة بالزراعة والخصوبة ودورها المحوري في حياة الإنسان، وبداية السنة في بداية فصل الربيع. كما تشير عقائد الديانات القديمة للشعوب الآرية، كالميثرائية والزرادشتية وغيرها من القصص. ومن أهم هذه الأساطير حول عيد نوروز:

(1)  الاسطورة الميثولوجية

نوروز هو عيد رأس السنة الكوردية الذي يحتفل به العديد من الشعوب في آسيا الوسطى والشرق الأوسط. يعود أصل هذا العيد إلى آلاف السنين، وهو مرتبط بتقاليد وأساطير دينية وفلسفية عميقة الجذور في الثقافات الآرية القديمة. حيث يرتبط بتقاليد الأديان الآرية مثل الميثرائية والزرادشتية والازدائية. في الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية، الأفستا، يُذكر أن الإنسان خُلق في يوم نوروز، مما يعطي هذا اليوم أهمية كبرى في التقويم الزرادشتي. كما أن في الديانة الازدائية، يعتبر نوروز يوم الخليقة وبداية السنة الجديدة.

هناك أعياد أخرى تحتفل ببداية السنة الجديدة، ولكن بعد تاريخ يوم نوروز بأيام، مثل عيد رأس السنة الايزيدية، الذي يُحتفل به في أول أربعاء من السنة الجديدة حسب التقويم الايزيدي ويعرف بيوم التكوين والخليقة. كذلك يحتفل المسيحيين بعيد “أكيتو”([2]) البابلي والآشوري، الذي يعتبر بداية السنة في الاول من شهر نيسان وهي مرتبطة بتجدد الحياة والطبيعة.

أما في الثقافة السومرية، فإن عيد زكموك أو زكموك([3]) الاول الذي يعني الولادة والتجدد، كان يُحتفل به في الاعتدال الربيعي. هذا العيد كان مرتبطاً بملاك الخير (الشمس) لدى السومريين، وكان يُعتبر وقتاً لتجدد الطبيعة ونمو النباتات وولادة الحيوانات.

نوروز عيد يجمع بين الأبعاد الدينية والفلسفية والثقافية للشعوب الآرية القديمة. يعكس هذا العيد التقاليد العميقة التي تربط الإنسان بالطبيعة ودورات الحياة. عبر التاريخ، تم دمج نوروز مع تقاليد إمبراطوريات مختلفة، مما جعله عيداً عالمياً يحتفل به الملايين حول العالم حتى اليوم.

في العصور القديمة، كانت الاحتفالات بنوروز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة ودورات الشمس. كانت الشعوب الآرية تعتبر هذا اليوم بمثابة تجديد للحياة، حيث تبدأ الطبيعة بالانتعاش بعد فصل الشتاء. كانت الطقوس التي تُقام في هذا اليوم تهدف إلى تعزيز الخير والابتعاد عن الشر، مما يعكس الفلسفة الروحية لعقيدة تلك الشعوب.

(2)  الأسطورة الكوردية

كاوه الحداد (بالغة الكردية : کاوەی ئاسنگەر) (باللغة الفارسية: کاوه آهنگر)، إن الشعوب الآرية كانت تعيش في بقعة جغرافية توالت عليها الامبراطوريات، وإيران كانت جزء من تلك المنطقة، وعانت تلك الشعوب من ظلم ملك كان يُدعى أزدهاك أو الضحاك) أحد ملوك الامبراطورية الاشورية.

الاسطورة تقول: إن ملكاً ظالما اسمه أزدهاق أو أزدهاك مذكور في الشاهنامه([4]) باسم الضحاك، كان يذبح كل يوم  شباب حتى يشفى من مرضه وذلك بناء على نصيحة من حكمائه، كان يقتل كل يوم اثنان من شباب القُرى المحليّة وتقدم أدمغتهم إليه. كان يفتك بالشباب ويقتلهم ظلماً، انتفض كاوه ضد الحاكم المستبد ضحاك أو ازدهاك وتعني اشدهاك في اللغة الكوردية تعني الافعى الخطير بالكردية، بعد أن هُزم وقتل ضحاك أشعل ناراً ضخمًا.

ينبغي اظهار الأحداث والحقائق التاريخية التي ظهر فيها الكُرد على إنهم شعب شجاع لهم تاريخ وحضارة، بعيدأ عن تكريس والترويج للخرافة حول معاني نوروز وأبعادها الثقافية والمغالطات الذين ساهم بعض المثقفون الكُرد في نشرها متأثرين ببعض القصص، وتسبب ذلك في تغييب الحدث التاريخي، بغية تشويه الحقائق التاريخية في سقوط الامبراطورية الاشورية على يد ملك ميديا كيخسرو (كي ، كا، كاوا، كاوي) سنة 612 قبل الميلاد، وهو نفسه شخصية كاوه الحداد.

تحالف الميديين مع البابليين، تم تدمير الإمبراطورية الآشورية بقيادة الملك كيخسرو وإزالة هذا الكيان العسكري من الوجود، بقيادة كيخسروي ملك ميديا الذي دخل قصر الملك الاشوري “ازدهاك” وقتله واسقطت الامبراطورية آلاشورية، ولولا أيمان الشعب الكردي والشعوب الآرية بقدسية نوروز وتعلقه بعقيدته القديمة, لما استطاع أن يصمد أمام التغيرات الهائلة التي حدثت ضد تقاليد الشعوب الآرية القديمة. يعتقد الكثير من الباحثين والمستشرقين أن عيد النوروز يحمل خصائص العيد السومري والبابلي، تشير الدراسات إن موطنهم الاصلي كان في كردستان([5])، وهذا ما يضفي بعداً آخر على علاقة الشعب الكردي بهذا العيد أكثر من الشعب الفارسي.

(3)  الأسطورة الفارسية

الرواية الفارسية تقول إن هذا العيد يجسد انتصار النور على الظلام والخير على الشر منذ آلاف السنين. ويُحكى أن ملكاً فارسياً كان يُدعى جمشيد بن طهمورث، كان يتمتع بقدرات خارقة وهبه له الإله دون البشرية جمعاء، وتشبه قصته إلى حد كبير قصة النبي سليمان، فكلاهما عُرف عنهما وتمتعهما بقدرات خارقة كالتحدث إلى الجن وحكمهم وغير ذلك.

وتقول الرواية إن جمشيد جاب بقاع الأرض من شرقها إلى غربها محمولاً من قبل الجن، على سرير مرصع بالجواهر، وعندما جلس على العرش في نهاية المطاف، كان أول يوم من أيام الربيع، فابتهج واحتفل مع الشعب وعمت الفرحة الجميع، فاصبح عيداً يحتفل به الناس كل عام.

حسب الاسطورة الفارسية: إن الملك الفارسي جمشيد، كان يدعى “جم”، كان له سلطانا واسعا على الجن والإنس كان يسير في العالم وحين وصل إلى أذربيجان أمر بنصب العرش، وحين جلس عليه أشرقت الشمس وسطع نورها على تاج وعرش الملك فابتهج الناس، وقالوا: هذا يوم جديد. ولأنّ الشعاع يقال له في البهلويّة “شيد” أضيفت الكلمة إلى اسم الملك فأصبح جمشيد، وقيل إن هذا أصل الاحتفال بهذا اليوم.

ذكر الباحث في تاريخ إيران، مسعود لقمان، أن أصل النيروز يعود إلى أسطورة تتحدث عن احتفالات عمت البلاد في عهد الملك جمشيد بسبب نشره للسعادة والخير والبركة، ثم شيد مدرج جمشيد أو ما يعرف بـ”تخت جمشيد” لإقامة مراسم العيد في عهد الأخمينيين الذي ما زال قائما في مدينة شيراز الايرانية.

(4) الاسطورة التركية

الاحتفال بالنيروز في العالم التركي وفي المناطق التي يعيش فيها الأتراك منذ القرن الثامن قبل الميلاد، لأحياء ذكرى ملحمة أرغينيكون التاريخية في العام الجديد، أول أيام الربيع، ووفقًا للعلماء إن تاريخ هذه العطلة قديم جدًا، في نظر الشعوب التركية من اسيا الوسطى وصولا الى الاناضول يعتبر عيد نوروز انتصار الخير على الشر بدأت في بداية الربيع.

أهم الروايات حول نوروز لدى الشعوب التركية هي قصة ” الملحمة أرغينيكون التركية”، التي اشتهرت باعتبارها ملحمة تاريخية للعالم التركي، التي تتحدّث عن أنّ الأتراك غوك تورك هُزِموا بالخدعة وقتل وأُسِرَ الكثير منهم والذين هربوا من أيدي الأعداء ذهبوا إلى جبل “أرغينيكون”.

إن الاتراك من غوك تورك عاشوا في تلك الجبال اكثر من 400 عام، مع مرور الزمن عندما كانوا يرغبون بالخروج يرَوْن أنّ الجبال الحديدية تحيط بهم، لذلك كانوا يُشعِلُون النار فتنصهر الجبال ويرجعون إلى وطنهم السابق وتركوا الجبال، وانتقموا من أعدائهم وحرروا أراضيهم في يوم نفروز.

حسب العادات والثقافة التركية فإن عيد نوروز كان قبل يوم الهروب الى أرغينيكون أو يوم الانتصار، ولذلك يُعتبر عيد أرغينيكون أو عيد بوزكورت وتسمى (سلطاني نوفروز) في أذربيجان، وتسمى نوروز في قيرغيزستان، نافروز في تركمانستان وأوزبكستان، وجميع هذه التسميات هي متقاربة  لمصطلح نوروز لدى الشعوب التركية.

 (5)  الاسطورة السومرية والبابلية ((Zagmok(Akito)

كان يعرف رأس السنة السومرية بعيد (زكموك)، وسماه البابليون عيد (أكيتو) رأس السنة لديهم، كان الكهنة في يوم العيد يصلون للإله مردوخ لينبثق الربيع ويعود تموز من أسره في الأرض السفلى إلى سطح الأرض ليتم الخصب، كان يستمر العيد عند السومريين 12يوماً تقام الأفراح وتزدهر المواكب.

المدوّنات والألواح المسمارية السومرية الأثرية، المحفوظة فى متحف لندن تشير إلى أن الاحتفال هو اعادة اخراج الاله نابو لوالده الاله مردوخ من العالم السفلي، وفقاً للأسطورة السومرية، يختفي الملك لمدة يوم أو يومين في جبل يسمى (خرشانو) وهو من أسماء العالم السفلي، وكان الأهالي قديماً تقوم بمشاهد تمثيلية لإحياء هذه الميثولوجيا، ثم تبدأ رحلة نابو بالبحث عنه خلال اليومين، وعند العودة إلى الحياة مرة أخرى يرجع للمدينة ويقوم الأهالي بالاحتفالات فرحاً برجوعه.

كان الزواج محرماً في عيدي زكموك وأكيتو، لدى السومريين والبابليين في شهر نيسان الذي كان يبدأ في 21/ اذار، لنزول الملائكة في هذا الشهر حسب اعتقادهم، وكذلك كان تلوين البيض بألوان الربيع، ولهذا السبب نجد لدى كل الاقوام والامم المحتفلة بعيد نوروز طقوس تلوين البيض بألوان جميلة بهذه المناسبة في العام الجديد.

في بابل القديمة اليوم الاول من شهر أبريل/ نيسان كان يوافق الاعتدال الربيعي، كان يحتفلون البابليون برأس السنة في معبد (ايزيدا) كان معبد ايزيدا مخصصا لتأدية المعتقدات والعادات والتقاليد الخاصة بعقيدة الإله نابو “إله الحكمة والقلم والكتابة وحامي بورسيبا” في مدينة بورسيبا البابلية.

معبد “إيساجيلا” أي البيت المرفوع الرأس هو معبد الإله “مردوخ” كبير آلهة بابل، وكان الطقوس أن يتقدّم منه الملك البابلي ويبدي له الخضوع بأن يجلس عنده وحيداً، وقد جرده الكهنة من شارات المُلك، ثم يتقدم كبير الكهنة شيشكالو ويجبر الملك على السجود للإله وهو يتضرع إليه ويتبرأ أمامه من الخطايا، ثم يعيد له شارات الملك، فإذا دمعت عينا الملك كان ذلك علامة عن رضا مردوخ، ثم تبدأ رحلة نابو بالبحث عنه خلال اليومين، وعند العودة إلى الحياة مرة أخرى يرجع للمدينة ويقوم الأهالي بالاحتفالات فرحاً برجوعه.

أثناء الاحتفال برأس السنة البابلية، كان يجري تمثيل قصة مردوخ وملحمة الخليقة التي تحمل اسم “إينوما إيليش” وهو اسم قصة الخلق البابلية الذي يبدأ بتلك العبارة “عندما في الأعالي” هذه الأسطورة، التي كتبت في ألف بيت، يرجح أنها قد كُتِبَت في الألفية الثانية قبل الميلاد، وقد عثرت بعثات الآثار الإنجليزية على ألواحها في حفريات مكتبة الملك الأشوري “أشور بانيبال” الذي كان مولعاً بجمع الكتب.

 شخصية كيخسرو(كاوه الحداد) في التاريخ والاسطورة

كاوه الحداد في الأسطورة: هو رمز للثورة ضد الظلم في الأساطير الكُردية والفارسية. وفقًا للشاهنامه، ثار كاوه ضد الطاغية ضحّاك (أزيدهاك)، الذي حكم إيران لألف عام وكانت أكتافه تخرج ثعابين تتغذى على أدمغة الشباب يوميًا. قاد كاوه تمردًا شعبيًا (الذي أصبح لاحقًا عَلَمًا يُعرف بـ “درفش كاويان”، ووحّد الناس لإنهاء حكم ضحّاك.

كيخسرو بن سياوش هو من الملوك المقدَّسين في الدين الآرىّ القديم وهو آخر الملوك الذين تشترك في أساطير الأفستا الزرادشتية والفيدا الهندية، كيخسرو هو في الفيدا الهندية سُشراوَس، وفي الأفستا الزرادشتية  كيهُسَروه، ويذكر فيها كثيرا ويشاد بسجاياه ومآثره، وفيها أن هسرور المقدام الذي جمع و وحدة الأمم الآرية، ومؤرخو الفرس تعكس هذه الحقيقة في قصة مختلفة وغريبة، ولكن الحقيقة ان  الامبراطورية الآشورية سقطت على يد الملك كيخسرو ملك دولة ميديا في612 ق .م .

عيد نوروز هي ذكرى انتصار الخير المتمثل في النور على الظلم والطغيان، وكاوا دخل قصر الملك الاشوري مع الجيش، وقتل رمز الطغيان استياك (أزدهاك)، بمرور الزمن اصبح كيخسرو ( كي ، كاوي ، كاوه، كاوا) وهو نفسه البطل كيخسروي بطل الملحمة الكوردية، الذي يأتي ذكروه في النشيد الوطني الكُردستاني ايها الرقيب(ئى ره قيب).

أما الشاعر الكوردي الكبير أحمد خاني فقد ذكر نوروز في قصة “مم وزين” كعيد للطبيعة، يبدو أن كاوى كان يملك شخصية سياسية عسكرية فذة، لا شك أن كاوى ثار في يوم نوروز، لكن نوروز كان أقدم منه فربط كاوى بينهما فأصبح عيداً لجميع الشعوب الآرية.

رمزية النار في عيد نوروز

يبقى رمز النار في أسطورة نوروز تستمد معانيها ودلالاتها من الديانات الكورد القديمة، من العناصر المقدسة المكونة للطبيعة والكون، حيث يعتبر النار رمز الخلاص والحرية ومصدر تنوير الدروب للأجيال اللاحقة لتسير على الطريق التي رسمها أولئك الأسلاف للوصول إلى يومهم الجديد.

للنار مكانة هامة في تاريخ الشعوب الآرية والشرقية عموماً والشعب الكردي بشكل خاص، فيرمز به إلى النور و يستخدمونه للاهتداء والتقرب من الخالق، فزرادشت حين وحد بين إلهي الخير والشر في شخصية الإله الواحد عبر عن ذلك بإشعال النيران.

النار في عيد نوروز، تحمل رمزية عميقة ومتجذرة في الثقافة والتاريخ الفارسي، وتحديداً في تقاليد “چهارشنبه سوری” (Chaharshanbe Suri)، وهو احتفال يُقام في آخر أربعاء قبل نوروز. يعتقد أن القفز فوق النار خلال “چهارشنبه سوري” يرمز إلى التخلص من الأمراض والطاقة السلبية، وهموم العام الماضي، مما يعكس فكرة انتقال الضعف إلى النار واستبداله بالحيوية.

النار ترمز إلى النور والحرارة، وهي إشارة إلى انتصار الربيع (الدفء والحياة) على الشتاء (الظلام والموت). تُضاء النيران لاستقبال الشمس المتجددة وطول النهار الذي يبدأ مع الاعتدال الربيعي، في الديانة الزرادشتية التي كانت سائدة في إيران القديمة، تُعتبر النار عنصراً مقدساً ورمزاً للحكمة الإلهية (آهورا مازدا) والنقاء. لا تزال ممارسات إشعال النيران في الاحتفالات تعكس هذا الإرث الروحي.

تجمع النار الناس حولها، مما يعزز الروابط الاجتماعية. في نوروز تُشعل النيران في الأحياء وفي الاماكن المرتفعة، ويشارك الجميع في الرقص والغناء، مما يجسد الفرح المشترك والتضامن.

النار تذيب القديم ليفسح المجال للجديد، مثلما يذيب الشمس الثلج في الربيع ليظهر النبات. هذا يتوافق مع جوهر نوروز كعيد للولادة والتجديد والطبيعية. في الفلسفة القديمة، النار هي أحد العناصر الأربعة (الماء، الهواء، الأرض، النار). إشعالها في نوروز يرمز إلى التوازن بين هذه العناصر وتناغمها مع دورة الحياة.

النار في نوروز ليست مجرد طقس احتفالي، بل جسر بين الماضي والحاضر، بين الإنسان والطبيعة، وبين الفرد والمجتمع. هي تعبير عن الأمل في بداية جديدة، مُطهَّرة من السلبيات، ومُشرقة بالطاقة الإيجابية التي يحملها الربيع.

طقوس ومراسيم نوروز في البلدان:

يحتفل به في 21 اذار/ مارس من كل عام بعيد نوروز، في العديد من البلدان في وسط آسيا والبلقان وحوض البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط وسائر المناطق، في مصر والعراق وايران وباكستان وأفغانستان وأذربيجان والهند وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان وغيرها من الدول.    كل هؤلاء يحتفلون بما لديهم من تقاليد حسب معتقداتهم وثقافاتهم، بتسمية معينة وحجة دينية وتاريخية مختلفة خاصة بهم، ولكن الجميع يحتفلون بهذه الفترة بانبثاق الخضرة والربيع وانتشار الخصب بمعانيه البيئية.

(1) ـ عيد النوروز لدى الشعب الكُردي

رأس السنة الكُردية الآرية الميدية والزردشتية في نوروز, انه تذكير جميع الشعوب الآرية في التمسك بالأصل والعادات والتقاليد والطقوس الدينية العريقة, ولا يمكن أن يتخلى عنها أبداً، مهما تغيرت الأفكار والمعتقدات والاديان في الأزمان والعصور, والاحتفال والخروج إلى السفرة في الطبيعة الخلابة إنما هو تعبير صادق في تثبيت وترسيخ للإيديولوجية المثرائية (الآرية) في يوم نوروز قبل الأف السنين في ميزوبوتاميا، التي امتدت إمبراطورتيها الى وشملت جميع الشعوب الآرية.

نوروز في ثقافة الكورد هي مأثرة تاريخية وقومية، يجسد شموخهم في وجه الظلم والظالمين، ورمزاً لانتصار الحق على الباطل، مع إطلالة فصل الربيع تبدأ التحضيرات بشكل كبير في إقليم كوردستان لاستقبال عيد نوروز ورأس السنة الكوردية الجديدة، يهتم الكورد قبل عيد نوروز الاهتمام بالزيّ الكُردي التقليدي، كما يقومون بتنظيف وتزين بيوتهم ومنازلهم، وشراء الملابس والتحضيرات ليوم نوروز، وذلك إيماناً منهم بأن يجلب البركة والسعادة إلى منازلهم في العام الجديد.

ومن الطقوس القديمة لنوروز هناك قلة من الاكراد يقومون بتلوين البيض بألوان الربيع الزاهية، لأنهم يعتقدون أن البيضة هي بداية تكوين جميع الكائنات في الارض، يسود اعتقاد لدى الكورد منذ آلاف السنين بأن أرواح أقاربهم وأحبائهم الموتى، تزورهم في أيام نوروز المباركة، لذا يحرصون على تزيين مائدة نوروز بكل ما طاب ولذّ من المأكولات ليسعدوا الأرواح الزائرة، وقسم منهم يذهبون الى قبور موتاهم بهذه المناسبة، وهناك حلوى كوردية وايرانية تقليدية يسمى (سمنو)([6])، كما تعدّ لهذه المناسبة وجبات طعام تقليدية كُردية شهية.

يوم العشرين من آذار وبعد مغيب الشمس تجري العادة أن يتسلق الاطفال والشباب الى قمم الجبال والتلال في القرى والأرياف الكوردستانية ويشعلون النيران في الأمكنة المرتفعة والمرئية للناس الذين يخرجون بدورهم إلى الشرفات والساحات لمشاهدتها إيذانا بقدوم نوروز، اما في المدن فقد ارتأت المراجع الكُردية في كردستان العراق، خلال السنوات الأخيرة أن يتم إشعال المشاعل و السير مجموعات متناسقة في الشوارع لتبشير الناس بقدوم نوروز، والسير الى الاماكن المخصصة في الساحات او فوق التلال والجبال لإشعال النيران الكبيرة بهذه المناسبة العظيمة في تاريخ الشعب الكُردي.

يوم الحادي والعشرين ومنذ الصباح يتغلغل القرويون عبر الأزقة والشوارع إلى أماكن التجمع والاحتفال بجانب الأنهار والسواقي وعلى سفوح الجبال والتلال، حاملين طعام النهار وما طاب من أكل وشراب، أما في المدن الكبيرة فقد اتخذت الناس أمكنة محددة يجتمعون فيها بأعداد كبيرة، حيث العروض الممتعة من الرقص والأغاني والأناشيد الكُردية الشجية، والدبكة ذات الحركات المتناسقة التي تلتف حول الدبكات الشعبية،  حلقات وحلقات و التي تحكي قصة نوروز والكُرد ويدوم ذلك حتى مغيب شمس.

(2) ــ طقوس عيد النوروز في ايران

يعتبر عيد نوروز في إيران رأس السنة الفارسية، وهو احتفال قديم وعريق للعديد من الأقوام والشعوب، ويشار إليه كرمز لتعزيز العلاقات الودية والوطنية بين الاقوام الايرانية المختلفة، ويعتبر هذا اليوم أحد الاعياد المقدسة في الديانة الزرادشتية.

يعرف القدماء الإيرانيين نوروز باسم (نافا سريدا) وهو ما يعني رأس السنة الجديدة، أطلق الشعوب الفارسية في آسيا الوسطى على نوروز “نوسارد ونوسارجي”، يتم تنظيف البيوت وغسل الأدوات المنزلية والأثاث والاماكن العامة والحدائق لاستقبال رأس السنة الجديدة، و يرتدون ملابس جديدة في هذا اليوم.

يتكون احتفال نوروز من سلسلة من الاحتفالات والمناسبات. يبدأ الاحتفال بالنوروز مع تقاليد “شهارشانبه سوري”([7])، يحتفلون الايرانيين في هذا اليوم بإشعال النار والقفز من فوق النار، واستمر هذه العادة في يوم الأربعاء الأخير من العام كما يجري الان في ايران، وكذلك هذه العادة مألوفة في أذربيجان. ثم يأتي يوم الخميس الأخير من السنة، حيث يزورن في هذا اليوم قبور الاموات من المقربين والاصدقاء للترحم عليهم.

تقليد مائدة عيد نوروز(هفت سين) يعني السينات السبع تتكون من سبعة أشياء تبدأ في اللغة الفارسية بحرف السين، وكذلك العناصر التي لها وجه رمزي مثل السمنو والسبزة وغيرها.

سبزة أى الخضرة: يتم الحصول عليه من زراعة القمح وهو رمز لإعادة إحياء الطبيعة. سمنو: نوع من الحلوى الايرانية يُصنع من براعم القمح ويرمز إلى الحياة الحلوة والطبيعة.

الاربعاء الاحمر (جهار شنبه سوري)( (Chaharshanbe Suri)

يحتفل الإيرانيون بآخر اربعاء في التقويم الفارسي قبل يوم نوروز، ينتظرون غروب شمس آخر يوم ثلاثاء في التقويم الفارسي بفارغ الصبر للاحتفال بمهرجان “جهارشنبه سوري”، المصطلح يتكون من مقطعين الأول “جهارشنبه” بمعنى يوم الأربعاء، والثاني “سوري” ويعني الفرح والبهجة، كما تدل كلمة سوري على الورود الحمراء في الأدب الفارسي، او الى لون النار والشمس،  من هنا جاءت تسمية الأربعاء الأحمر.

قبيل غروب الشمس ترتفع صرخات الأطفال والشباب وهم يقفزون فوق ألسنة نيران أضرموها في الأزقة، احتفالا بقدوم فصل الربيع، اعتبرت النار رمزاً للطهارة والحكمة حين انتشرت الزرادشتية كدين رسمي في البلاد منذ قرون عديدة, لذلك كان القفز فوق النار في احتفال الأربعاء الأحمر طقساً أساسياً, ويسعى من يقفز فوقها هو التطهر من الذنوب ليبدأ عامه الجديد.

يردد المحتفلون لدى قفزهم فوق النار هذه الجمل الفارسية  “زردي من أز تو، سرخي تو أز من”، يعني خذ همومي واعطيني طاقة ولون النار، حين يقفزون فوق النار لثلاث مرات، اعتقاداً منهم أن القفز فوق النار هو لدفع الشر والأمراض والنحس ليحل محلها الخير والبركة والصحة، وهم لا يطفئون النار حتى فجر يوم الأربعاء، لتلتقي مع طاقة ونور الشمس، لأنها ستجلب لهم مع بزوغ نور الشمس العافية والسرور، ان اشعال النار في الاربعاء الاخير تحمل دلالات رمزية لنور وعظمة الخالق، عندما يوقدون النار يقفزون فوقه لثلاث مرات، ثم يرفعون أيديهم إلى السماء ليسألا الله أن يجعل السنة الجديدة مفعمة بالخير والعطاء على بلادهم.

هناك تقليد آخر يتمثل في وضع الفحم والملح والنقود المعدنية في جرة فخارية، ثم رميها من فوق سطح المنزل، وذلك بعد أن يقوم أفراد الأسرة فرداً فرداً بإدارتها حول نفسه، والمغزى منها هي اشارة الى دفع الشرور والبلاء، عند رمي الجرة الفخارية من سطح البيت وتكسره.

حيث أن الفحم يدل على سوء الحظ، والملح يدل على عين الحاسد والنقود ترمز إلى الخير والبركة، وهم يتفاءلون بهذا التقليد القديم الذي يعود الى أكثر من اربعة آلاف سنة،  لدى الإيرانيين القدامى بإلقاء الجرة من فوق السطح لتحقيق الأمنيات ودفع الشرور وذر الملح في عين الحاسد الحقود.

(3) ـ عيد النوروز في تركيا ( (Nowruz in Türkiye

تبدأ  الاستعداد لنوروز قبل شهر في العالم التركي، تنقسم هذه الفترة إلى أربعة أيام أربعاء (الماء والنار والرياح والأرض)، حيث يسمى كل يوم أربعاء بأحد العناصر الاربعة(الماء، النار، الرياح، الارض)، في أول أربعاء يذوب الثلج والجليد، وفي الأربعاء الثاني تدفئ الشمس التربة، وفي الأربعاء الثالث تتحرك مياه الرياح والنار، وفي يوم الأربعاء الرابع للتربة يغتسل الناس فيه بهدف التطهير من الخطايا القديمة ومن ثم تقام احتفالات في الساحات بالقفز فوق المياه الجارية والنار.

يحتفل أهالي ولاية أغادير شرقي تركيا، وفق الطقوس على مراحل تشمل الصيام عن الكلام السيئ قبل أسبوعين من العيد وتنظيف المنازل وزيارة المقابر، وتضرم النيران ويقفز الأهالي من فوق اللهب، حيث يعتقدون أن المشاكل تحترق في تلك النار.

طقوس إعداد الـ “سماني”([8])، قبيل أسابيع من حلول نوروز مع إنبات البذور واخضرارها تمثل سماني (عشبة الحياة) وفق الموروث الشعبي، ويتم إهداؤها للأصدقاء والجيران والأقارب في عيد نوروز، وهناك موائد مفتوحة في جميع العائلات فيها انواع من الطعام والحلويات الاخرى  وتضاء الشموع على عدد افراد العائلة. يعتبر نوروز عيد الوجود الوطني والروحي للشعوب التركية في جمهوريات أذربيجان وتركمانستان واوزبكستان وكازاخستان وطاجيكستان وجميع الاتراك في العالم.

(4) ـ طقوس النوروز في اذربيجان

يحتفل الشعب الاذربيجاني بعيد نوروز كرأس السنة الجديدة، وهي اقدس مناسبة من بين كل الأعياد الوطنية والدينية لديهم، وغالبًا ما يرتبط بالزرادشتية، الذي يعود تاريخها إلى (3500 ــ 5000)عام، وقد ورد في كتاب الديانة الزردشتية المقدس “الآفيستا” أن نوروز هو عيد عبادة الشعب.

تقام الاحتفالات بعيد نوروز على مدار أربعة أسابيع قبل يوم 21 مارس ويرتبط كل أربعاء من هذا الشهر بعنصر من عناصر الطبيعة الاربعة (الماء ـ الهواء ـ التراب ـ النار) التي تكون منها الكون والخليقة، يتم إحياء كل عنصر في كل يوم أربعاء، يتم في ايام الاربعاء تنظيف البيوت والمنازل والساحات وجميع الاماكن بعد الظهر وفي المساء يتم إعداد الأكلات الشعبية، وتوقد المواقد في المنازل.

يتم في أذربيجان الاحتفال بشكل مهيب بالأربعاء الأخير، وتقدم على الموائد الأنواع المختلفة من الأطعمة والفاكهة، وتوقد المواقد، والقفز فوق النار بغض النظر عن أعمارهم، لأن في اعتقادهم عند القفز فوق النار يتخلصون من الصعوبات التي تواجههم والأمراض، وإلقائها في النار أثناء القفز.

تقليد وجود سبعة أطباق، زخرفة المائدة الاحتفالية هي خونشا، صينية كبيرة تحمل “السماني”([9]) القمح الطازج رمز الأمل في الحصول على حصاد وفير في العام المقبل، يتم وضع الساماني في الوسط بالشموع والبيض الملون يوضع على الطاولة، ويقومون بقلي القمح مع الزبيب والمكسرات، وعشية يوم العطلة يقوم الناس بزيارة قبور أقربائهم المتوفين للترحّم عليهم.

(5) ـ عيد النوروز في أوزبكستان

يعتبر عيد نيروز أكثر الأعياد حماسة وترقبًا في أوزبكستان، حيث يمتلئ شعور الشعب الاوزبكي بالبهجة والتجدد في بداية العام الجديد وأول أيام الربيع، وهو رمز الوحدة والقيّم المشتركة بين الشعب، وتظاهرة ثقافية تجسد جوهر العقيدة والتقاليد الأوزبكية القديمة، يرمز إلى صحوة الطبيعة وانتصار الحياة في العقيدة المتوارثة في مختلف ثقافات دول آسيا الوسطى.

تبدأ الاحتفالات قبل أسابيع من حلول الربيع في ايام الاربعاء، حيث يشارك الناس في التنظيف الربيعي، المعروف باسم “خشار” وتزيين المنازل وشراء الملابس الجديدة تحضيراً لقدوم العام الجديد. السمالاك او السومولوك طعام او حلوى خاصة مرتبطة بعيد نوروز، قبل احتفالات نوروز، تحضير السومولوك او (سماتي) كما يسمونه الايزيديين وهو طعام خاص يصنعونه في طقوسهم الدينية.

السامالاك: هو طبق جماعي يُصنع من براعم القمح المنبتة، يُطهى في مراجل كبيرة طوال الليل، ويتناوب الناس على تقليب العجينة السميكة الحلوة، وتصاحب العملية الغناء والرقص ورواية القصص، مما يعزز الشعور بالمجتمع والتراث المشترك، يتم توزيع حلوى السومولوك للناس والزوار في يوم نوروز، وتبدأ الاحتفالات الشعبية والالعاب التقليدية مثل سباق الخيل “كوبكاري” وهي لعبة جماعية تُلعب على ظهور الخيل تحظى بشعبية كبيرة، وتعكس روح السعادة والشجاعة والتنافسية في هذا اليوم.

(6) ـ طقوس العيد  في كازخستان

تسمى نوروز في كازخستان بـ “نوريز”، ويختلف تهجئتها ونطقها باختلاف البلدان نوفروز ، نافروز ، نوروز ، نيفروز، وهي  رأس السنة في “التقويم التنغري”([10]) القديم  وهو تقويم اساس الحضارة البدوية والمنظم لجميع جوانب حياة المجتمع البدوي، الذي يبلغ عمره 12 عاماً، اطلق عليه الكازاخستانيون اسم موشيل، كما يطلق عليه اسم دورة الحيوانات.

يعود أصل عطلة نوريز إلى العصور القديمة، وفقًا لبعض العلماء، فهو مرتبط بعبادة الشعوب الآرية والامم القديمة للشمس واسم النبي الأسطوري زاراثشترا، وهو زرادشت. تقليديا ترتبط عيد نوروز بالشمس بمقابلة الفجر، وتحية الشمس او دعاء الشمس يقوم بها الشخص الكازاخستاني بالوقوف امام الشمس بأذرع ممدودة في المنزل النظيف والجسد النظيف، يسمح الشخص بدخول نور الشمس في يوم نوروز، حيث يكتسب الضوء قوته الكاملة عند دخول الضوء الى المنزل، هذه هي الفترة التي يولد فيها كل شيء، ويجتمعون في ساحات ويرقصون مصحوباً بالأغاني والموسيقى، وإقامة مسابقات رياضية تقليدية وطنية وسباق الخيل احتفالاً بعيد نوريز الذي يستمر في كازخستان لفترة ثلاثة ايام من (21 ــ23) من شهر اذار وهي عطلة عامة.

(7) ـ طقوس النوروز في طاجيكستان

الطاجيك يحتفلون بهذا العيد منذ القدم كعيد رأس السنة الشمسية، الذي يصادف في يوم الاعتدال الربيعي, في هذا اليوم يزين الطاجيك مائدتهم بسبع مواد وكذلك مائدة السينات السبع (هفت سين) التي يسمونها (دسترخان)([11]) وتضم المأكولات التي تبدأ بحرف السين، ومن أشهر مأكولات النوروز لدى الطاجيكي هو البيض الملون الذي يشبه تلوين البيض عند الايزيديين في عيد راس السنة وكذلك عند المسيحيين في عيد أكيتو.

يعتبر نوروز في طاجيكستان العيد الوطني للأجداد، ويرمز الى المحبة والحياة ويسمونه (خيدير أيام) بمعنى الحفل الكبير، يسارع الناس عند شروق الشمس الى اخراج اغراض البيت للخارج، ووضع قطعة قماش حمراء على مدخل المنزل، ويرمز اللون الاحمر الى الخير والبركة والفرح في السنة الجديدة.

كان القدماء يحتفلون بهذا العيد في أحضان الطبيعة حيث تعقد الدبكات والاحتفالات بعودة الربيع والحياة وعودة الطبيعة والربيع، واشتهر نوروز عند شعوب آسيا الوسطى كأقدم الاحتفالات عرف بأوصاف متعددة مثل عيد النوروز رأس السنة وبداية السنة وعروس السنة وغير ذلك.

(8) ـ طقوس النوروز في باكستان

يسمى النوروز( افروز) في باكستان بمعنى عيد التجديد والوحدة لمختلف المجتمعات الدينية والعرقية في جميع أنحاء جمهورية باكستان، على الرغم من أن عيد نوروز ليس عطلة وطنية في البلاد، إلا أنه يحمل أهمية ثقافية ودينية كبيرة للمجتمعات الشيعية والإسماعيلية والهزارة والبلوش، يعتبر عيد نوروز قوة موحدة تجمع مختلف المجتمعات الدينية والعرقية في احتفالات بهيجة تكون روح التجديد أساساً لها.

يحمل يوم نوروز جذوراً تاريخية وثقافية عميقة لدى الشعب الباكستاني، حيث أن الاستعدادات للاحتفاء بيوم نوروز تبدأ قبل شهر كامل من تاريخ حلوله، من بين العادات والتقاليد الخاصة بهذا العيد، هي اجتماع العائلات عشية حلوله لزيارة القبور، وتنظيف المنازل، وزراعة الأشجار، فضلاً عن إعداد الأطباق التقليدية، فيما يعدّ العنصر الأساس في الاحتفال هو الـ (خونشا)([12]): عرض رمزي مكوّنٌ من القمح والشموع والبيض الملوّن الذي يشير الى عدد أفراد الأسرة.

(9) ـ طقوس النوروز في افغانستان

يعتبر نوروز رأس السنة في أفغانستان، ويسمى بمهرجان “كول سور” يعني الورد الحمراء، المهرجان الرئيسي لنوروز. يتم الاحتفال به في مدينة مزار الشريف خلال الأيام الاولى من العام، عندما ينمو زهور التوليب الحمراء في السهول الخضراء وعلى التلال المحيطة بالمدينة، يسافر الناس من جميع أنحاء البلاد إلى مزار الشريف لحضور مهرجانات نوروز، حيث تقام بطولات خلال مهرجان كول سور في وكابول وغيرها من مدن شمال أفغانستان.

يحتفل بعيد النوروز شبان على مرتفع في مدينة كابول الافغانية خلال الأسبوعين الأولين من السنة الجديدة، المواطنين يخرجون الى الطبيعة في نزهات عائلية الى ألاماكن الخضراء، اضافة الى فعاليات متنوعة وسبافات رياضية تقام في يوم نوروز، وخلال نظام طالبان من 1996-2001 ، تم حظر نوروز باعتبارها عطلة وثنية قديمة تتمحور حول عبادة النار.

(10) ـ نوروز في قرغيزستان

نوروز مهرجان نابض بالحياة، وهو مناسبة مقدسة لدى الشعب القرغيزي ولدى أتباع الديانة الزرادشتية. تبدأ الاحتفالات تقليديًا بالموسيقى الحية، والتي غالبًا ما تتضمن الكارناي، وهو قرن طويل يشبه البوق. يُجهز المحتفلون موائدهم بقطعة قماش بيضاء ومجموعة متنوعة من الأطباق، وطبق السومولوك  او السمالاك هو القطعة المركزية. تستمر الاحتفالات لمدة أسبوع.

قبل نوروز بأيام، يشعل صاحب المنزل شمعتين ويضعهما فوق منزله، ثم يبدأ التنظيف. يعتقدون أن من ينظف منزله لن يصيبه مرض خلال السنة الجديدة. يتم تنظيف المنازل وإجراء المصالحات كجزء من الاستعدادات قبل المهرجان الكبير في نوروز. يطبخون طعامًا خاصًا يسمى (نوروز غوجه) يُعد من سبعة أشياء، وغوجه يعني شوربة من دقيق الذرة والبرغل.

التحضيرات للاحتفال بعيد نوروز تشمل تقليد تحضير طبق “سمالاك”([13])، وهو طبق رئيسي في عيد النوروز مصنوع من عشبة القمح المطبوخة ، ويتطلب ساعات من الطهي. تصاحب عملية التحضير الغناء الجماعي، حيث تتجمع النساء لضخ الطبق بالطاقة الإيجابية، تُضاف أحجار صغيرة إلى القدر لمنع الحبوب من الاحتراق، وفي نظرهم من يجد حجرًا في طبقه يجلب له الحظ السعيد.

تتضمن الاحتفالات مهرجانات ورقصات تتميز بأنماط وطنية من ثقافات مختلفة تحتفل بعيد نوروز. يتم تنظيم ألعاب، ويرتدون أجمل ملابسهم، ويعدّون أفضل أنواع المأكولات والبيض الملون. في عشية نوروز، يملأ الناس الحاويات بمياه الينابيع والحليب والحبوب، على أمل ضمان هطول الأمطار وحصاد وفير في العام المقبل.

(11) ـ طقوس النوروز في الهند ونيبال وبنغلاديش وسريلانكا

تعود تقاليد نوروز إلى الإمبراطورية المغولية. ويعود جذور ذلك الحدث وفق المؤرخين إلى وجود المجتمع الزرادشتي في غرب الهند، الذين هاجروا إلى شبه القارة الهندية من الآريين في الشرق الأوسط خلال الفتح الإسلامي لبلاد الكرد والفرس بين أعوام 636-651 م.

مهرجان الألوان أو “هولي فاغوا”([14]) يشبه طقوس نوروز. يقام في الفترة بين شهري فبراير ومارس، وهو المهرجان الشعبي الهندوسي الذي يُحتفل به في الهند ونيبال وبنغلاديش وسريلانكا وباكستان والبلدان التي بها جالية هندوسية كبيرة. يسمى المهرجان باسانتا وهو أكثر مهرجانات الربيع شهرةً في الهند، والذي يستمر لفترة تتجاوز 16 يومًا.

مهرجان هولي يُعتبر في الأساس احتفالًا بموسم الحصاد وخصوبة الأرض بعد استقبال فصل الربيع، غير أن له جذورًا دينية ترتبط ببعض الأساطير والعقيدة الهندوسية. وهي بمثابة انتصار الحق على الباطل، ومن الطقوس التي يقوم بها الناس في عشية المهرجان، إيقاد نيران كبيرة والتي ترمز في اعتقادهم إلى القوة القادرة، ويحرص الجميع على الاحتفال به والاستعداد المتكامل له من تنظيف المنازل وشراء السلع وصنع الألوان والأزياء الملونة.

12ـ نوروز في دول البلقان وأوروبا

نوروز (Nowruz) هو عيد رأس السنة الكردية والفارسية، يُحتفل به مع بداية الربيع، ويُعتبر مناسبة ثقافية تُرمز إلى التجديد والسلام. انتشر الاحتفال بنوروز في بعض الدول الأوروبية: مثل ألبانيا، وكوسوفو، والبوسنة والهرسك، ومقدونيا الشمالية، واليونان، ورومانيا، وربما حتى أجزاء من صربيا أو بلغاريا، قد يكون لديها مجتمعات تحتفل بنوروز.

تحتفل الجالية البكتاشية في ألبانيا بنوروز كعيد ديني وثقافي، وهي عطلة رسمية يُعرف باسم “السلطان نوروز” منذ عام ١٩٩٦، وهو عيد وطني، تُوقد النيران، ويقفز الناس فوقها رمزًا للتطهير مع إقامة مآدب طعام، وتناول وجبات رمزية وحلوى مصنوعة من الحبوب، وإضاءة الشموع.

الاحتفال بنوروز في دول أوروبا يعكس تنوع القارة وتأثير الجاليات المهاجرة، مما يجعل هذا العيد القديم جسرًا بين الشرق والغرب، في 2010، اعترف البرلمان الأوروبي بنوروز كجزء من التراث الثقافي العالمي، مما عزز حضوره الرمزي في أوروبا.

نوروز وطقوس أعياد الشعوب والحضارات القديمة

1ـ عيد رأس السنة السومرية (Zag-mug)

زكموك زكماك (Zag-mug)([15]) تعني في السومرية الدورة النباتية لموسم الحصاد والزراعة وفصل التكاثر، وهي مصطلح كردي تني الولادة والتكاثر، وهي عيد رأس السنة السومرية في شهر نيسانو الذي كان بدايته يوافق 21 آذار. ومن جانب آخر نجد أن زكموك قد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالشمس، لأن الشمس هي العامل الأساسي في نمو النباتات والكائنات، فارتبط زكموك بإله الشمس (شمش) حسب النصوص السومرية. وقد عُرف تاريخ الحضارة السومرية من الألواح الطينية المكتشفة التي تعود إلى الألفية السادسة ق.م.

تؤكد المصادر التاريخية أن السومريين في أور وبابل هم أول من احتفل بعيد رأس السنة “زكَموك، زكَماك”، وهو عيد ملاك الخير (الشمس) لدى السومريين. وكان أهل سومر يحتفلون بهذا العيد في اليوم الأول من شهر نيسان، وهي بداية السنة السومرية في يوم الاعتدال الربيعي عندما تدخل الشمس إلى برج الحمل.

تتفق أغلب المصادر التاريخية على أن السومريين قد نزحوا من جبال كردستان نحو جنوب بلاد ما بين النهرين. والسومريون هم أسلاف الكُرد، مما يعني أن معتقداتهم كانت تتشابه مع معتقدات شعوب ميزوبوتاميا وكردستان القديمة. وتؤكد بعض المؤرخين والباحثين أن السومريين ليسوا من الشعوب السامية، وأن الموطن الأصلي للسومريين كان جبال زاغروس. وقبل السومريين، انتقل الشعب الكوتي (الجودي) من الجبال إلى الجنوب وهم الذين بنوا مدينة سومر.

كان السومريون يحتفلون بهذا العيد مرتين في السنة: الأولى في (21) آذار، والثانية في (22) أيلول. وجعلوا عيد رأس السنة السومرية في 21 آذار (شيكوركو) (ركو) أو ركه، وهي كلمة كردية تعني الأساس. (زكَماك الأول) وهي كلمة كردية أيضاً تعني الولادة والتجدد والتكاثر في الاعتدال الربيعي ونشاط ولادة الحيوانات ونمو النباتات فيه. كانت السنة السومرية مقسمة إلى نصفين: الأول ربيعي (زكَماك الأول) والثاني خريفي (زكَماك الثاني) في موت الطبيعة.

كان الزواج محرماً في سومر وبابل خلال شهر نيسان، لنزول الملائكة وإقامة الزواج المقدس في المعابد السومرية والبابلية. وتستمر الاحتفالات في جميع المدن السومرية، حيث إن المدوّنات الأثرية تبقى المرجع الأول والأخير، ومنها الألواح المسمارية المحفوظة في متحف لندن.

2ـ عيد رأس السنة البابلية Akito))

رأس السنة البابلية المعروف باسم أكيتو([16])، الذي كان في 1 نيسان بالتقويم البابلي القمري، يتزامن مع الحدث الفلكي في 21 آذار. آكيتو هي كلمة بابلية ذات جذر سومري، وأقدم صيغة لها جاءت بحدود 2500 ق.م على شكل (آ- كي- تي) وتعني الماء والتراب، وهي إشارة إلى الحياة وتجددها، فيكون معنى المصطلح (قدوم حياة جديدة إلى الأرض).

طقوس الربيع والمطر وعيد تجدد الحياة تعود إلى فترة حضارة سامراء في الألف السادس قبل الميلاد، حيث شكلت هذه الطقوس بذرة العيد الأكبر آنذاك. كانت مدة العيد اثني عشر يوماً، تبدأ من الأول من نيسان وتنتهي في الثاني عشر حيث يوم العيد. يشير بعض الباحثين إلى مغزى رمزية الرقم 12 وأهميته، فهو يمثل عدد أشهر السنة وعدد الأبراج الفلكية، بالإضافة إلى ارتباط العيد بالقمر ودورانه 12 دورة قمرية محورية لاستكمال اثني عشر دورة مدارية شهرية حول كوكب الأرض في السنة الواحدة.

كان لعيد أكيتو طقوس دينية مصاحبة للاحتفالات الصاخبة والمهرجانات الكبيرة التي تقام في المدينة. تبدأ الاحتفالات من اليوم الأول قبل بزوغ الشمس عند الفجر، وهو توقيت مناسب تماماً للرمزية الدينية للاحتفال، حيث ينهض الكاهن الأكبر، المسمى شيشكالو، بين منتصف الليل والفجر وقبل الشروق. ففي بداية هذه الأعياد تبدأ المراسيم الدينية من معبد (إيزيدا)([17]) في بورسيبّا في المدن البابلية.

وفق المدوّنات السومرية والبابلية الأثرية والألواح المسمارية المحفوظة في متحف لندن، يُشير إلى أن الزواج كان محرماً في سومر وبابل خلال شهر نيسان، لنزول الملائكة وإقامة الزواج المقدس في المعابد السومرية والبابلية. وتستمر الاحتفالات في جميع المدن البابلية، بشكل خاص في عيد أكيتو. المراسيم المقامة تشمل تلاوة قصة الخليقة البابلية وإعادة تتويج الملك بعد ظهوره ثانية في مراسيم خاصة تستمر 12 يوماً في شهر نيسانو (نيسان)، وهو أول شهر في التقويم السومري البابلي. وتبقى المدوّنات الأثرية المرجع الأول والأخير، ومنها الألواح المسمارية المحفوظة في متحف لندن.

نجد إن هناك صلة عميقة بين المعتقد الديني لذلك العصر وبين معتقدات الشعوب الآرية، من خلال الترابط الجدلي بين النار ونوروز، وطقوسه المتشابه الى حد ما في جميع الأقوام. ابتداءً من تأسيس أول دولة كردية (ميديا)، وقبل ذلك العهد بآلاف السنين، كان يُمارس هذا العيد لدى الشعوب الآرية.

3ـ عيد رأس السنة الايزيدية (سرسال)([18])

رأس السنة الإيزيدية من أقدم الأعياد الإيزيدية، يصادف في أول أربعاء من شهر أبريل/ نيسان من كل عام حسب التقويم الشمسي الايزيدي الذي يتأخر عن التقويم الميلادي بـ 13 يوماً. إنه عيد تذكير الإنسان الايزيدي (الكردي) ببدء الحياة على الأرض وبداية التكوين (الخلق والخليقة)، ونزول (ملك زان) حسب الميثولوجيا الإيزيدية، وظهور النباتات والكائنات على سطح الأرض، وظهور الكائن البشري عليها.

النصوص الدينية الإيزيدية تشير إلى بداية التكوين، وفي عشية العيد يذهب رجال الدين والعامة إلى لالش لإحياء وأداء مراسيم السما وإيقاد الفتائل في سوق المعرفة. إذ توقد 365 شمعة بعدد أيام السنة، وفي صباح العيد ليوم الأربعاء، يزين الايزيديين أبواب بيوتهم ومنازلهم بباقات زهور شهر نيسان الأحمر (شقائق النعمان) مع قشور البيض الملون.

يستيقظ الايزيدي في يوم العيد الأربعاء، لأنه يوم مقدس ومبارك، ويرتدون أجمل ما عندهم من ملابس وزينة. ويحرم الزواج لدى الايزيديين في شهر نيسان لقدسية هذا الشهر المبارك، لنزول الملائكة، لأن شهر نيسان يعتبر العروس، وكذلك إن الطبيعة في حالة تكاثر، كما كان تحريم الزواج قائماً في العهود السومرية والبابلية والأكدية والمثرائية([19]).

أن تلوين البيض في هذا العيد وبألوان الزهور والورود، هي تأكيد وإشارة على لبس كوكب الأرض حلتها، ونمو النباتات والزهور على سطحه، وبدء حياة جديدة في سنة جديدة. والاحتفالات التي تقام في جميع المناطق والقرى الإيزيدية هي تعبير عن بداية السنة الجديدة وبدء وتجدد الحياة على كوكب الأرض بدءاً من طوافة بحزاني.

يرمز البيض أيضاً إلى الولادة وانبعاث الحياة، وإشارة لبداية كل كائن في هذا الكوكب، وأن سلقها ربما هو إشارة واضحة لتجمد سطح كوكب الأرض والقشرة الأرضية، لأن الكرة الأرضية في بداية تكوينها كانت كتلة ملتهبة وسطحها كان مائعاً وشديد الحرارة، وبعد ملايين السنين تصلبت قشرتها الخارجية وتجمد سطحها. وقد ترمز البيضة إلى الدرة البيضاء والتي منها تكوّن الكون.

يعتبر رأس السنة الإيزيدية (سرسال)، بما يحمله من معاني مترائية وإيزيدية، انعكاساً واستمراراً لعيد (زاكموك – أكيتو) مما لا لبس فيه. ويمكن القول بأن الإيزيدية هي التي احتفظت أكثر من مسيحيي العراق (الكلدانيين والآشوريين) بطقوس وعادات هذا العيد المثرائي (السومري – البابلي) الممتد الى أعماق تاريخ ظهور الإنسان على كوكب الأرض.

4ـ عيد شم النسيم (شمش)(نيروس) في مصر

نيروس هو عيد رأس السنة المصرية ويعتبر أول يوم في السنة الزراعية الجديدة. كان أقباط مصر يحيونه، ويعني النيروس بالقبطية عيد الخلق. أطلق الفراعنة على ذلك العيد اسم عيد “شمو” أي بعث الحياة، وحُرِّف الاسم على مر الزمن، وخاصة في العصر القبطي إلى (شم) وأضيفت إليه كلمة النسيم نسبة إلى نسمة الربيع التي تعلن وصوله الى بداية الانقلاب الربيعي.

يعتبر عيد شم النسيم (شمش)(شموس) من أعياد الفراعنة، ثم نقله عنهم بنو إسرائيل، ثم انتقل إلى الأقباط بعد ذلك، وصار في هذا العصر عيداً شعبياً يحتفل به الكثير من أهل مصر من أقباط ومسلمين وغيرهم. كانت أعياد الفراعنة ترتبط بالظواهر الفلكية وعلاقتها بالطبيعة، وكانوا يعتقدون كما ورد في كتابهم المقدس عندهم أن ذلك اليوم هو أول الزمان أو بدء خلق العالم. لذلك احتفلوا بهذا العيد في الانقلاب الربيعي، وهو اليوم الذي يتساوى فيه الليل والنهار وقت دخول الشمس إلى برج الحمل.

يرجع بدء احتفال الفراعنة بعيد الشمس (شمش) رسمياً إلى عام 2700 ق.م. واحتفل بنو إسرائيل بالعيد بعد خروجهم ونجاتهم، وأطلقوا عليه اسم عيد الفصح. والفصح كلمة عبرية معناها الخروج أو العبور، كما اعتبروا ذلك اليوم بدء الخلق عند الفراعنة رأساً لسنتهم الدينية العبرية تيمناً بنجاتهم وبدء حياتهم الجديدة. وهكذا انتقل هذا العيد من الفراعنة إلى اليهود ثم انتقل عيد الفصح من اليهود إلى النصارى وجعلوه موافقاً لقيامة المسيح.

ارتبط الاحتفال بعيد (شمو)([20]) بعادات يحرص المصريين على القيام بها وهى الاستيقاظ مبكرا والانطلاق في المتنزهات. تقول الحكمة المصرية القديمة “ان الانسان إن لم يستيقظ مبكراً في ذلك اليوم ليستقبل شروق الشمس ونسيم الصباح ، فأنه يظل طوال العام يعاني من الخمول والكسل”، يخرج المحتفلون بعيد شم النسيم جماعات إلى الحدائق والحقول والمتنـزهات، ليكونوا في استقبال الشمس عند شروقها. وقد اعتادوا أن يحملوا معهم طعامهم وشرابهم والبيض الملون، والاحتفال بالعيد ابتداء من شروق الشمس حتى غروبها. تقام حفلات الرقص الجماعي على أنغام الموسيقى والأغاني والأناشيد الخاصة بهذا العيد.

كما أن الاحتفال بالعيد يمتد بعد عودتهم من المزارع والمتنـزهات إلى المدينة ليستمر حتى شروق الشمس سواء في المساكن أو في الأحياء والأماكن العامة، حيث تقام حفلات الترفيه. يعتبر البيض الملون تقليداً مقدساً ظهر مع بداية العهد الفرعوني في 2700 ق.م، حيث كان البيض يرمز إلى خلق الحياة، كما ورد في متون كتاب الموتى وأناشيد (أخناتون الفرعوني). وهكذا بدأ الاحتفال بأكل البيض كأحد الشعائر المقدسة التي ترمز لعيد الخلق، ويقال إن تلوين البيض يرمز إلى الخصوبة والحياة الجديدة التي تأتي مع بداية فصل الربيع.

أما فكرة نقش البيض وزخرفته، فقد ارتبطت بعقيدة قديمة أيضاً، إذ كان الفراعنة ينقشون على البيض الدعوات والأمنيات ويجمعونه أو يعلقونه في أشجار الحدائق حتى تتلقى بركات نور الإله عند شروقه حسب عقيدتهم فيحقق دعواتهم، ويبدأ العيد بتبادل التحية ولعبة(بدقة البيض)، وهي العادات التي ما زال أكثرها متوارثاً إلى الآن.

الطقوس المشتركة لدى الشعوب المحتفلة بأعياد نوروز    

كان يُحتفل بهذا العيد في الأول من شهر نيسان الذي كان يبدأ في يوم الاعتدال الربيعي (21/3) لدى الشعوب “السومرية، البابلية، الكلدانية، الآشورية، الميدية، الساسانية، الأخمينية “، وإلى يومنا هذا يحتفل بهذا العيد الديانة الإيزيدية والمسيحية ولدى أقباط مصر وجميع الشعوب الآرية، تشير إن جميع هذه الشعوب والاقوام والامم المحتفلة بهذا العيد القديم، تشترك مع بعضها بالتقاليد والعادات والطقوس المقامة لعيد نوروز في النقاط التالية:

1ـ طقوس التحضير للعيد: تنظيف البيوت والمنازل والأماكن العامة رمزياً للتخلص من القديم واستقبال الجديد. وتزيين البيوت والمنازل بتعليق شقائق النعمان والزهور والورود، كانت تسمى في زمن البابليين بـ (نيشان) تدل على الكرامة، والايزيدية يعلّقون زهور نيسان الحمراء مع قشور البيض الملون على واجهات البيوت. معظم الشعوب الآرية تقوم بزراعة القمح والذرة والحمص في أوانٍ خاصة لتصبح خضراء في يوم نوروز.

2ـ إعداد مائدة رمزية: هافت سين في إيران: سبعة عناصر تبدأ بحرف السين، هافت ميوه في أفغانستان: سبع فواكه مجففة منقوعة في الماء، سومالاك/ سماني: وهي عبارة عن طبق حلو يُحضَر جماعياً من القمح، يُرمز للنمو والوفرة. وفي الإيزيدية يُعرف بـ “سماتي”: نوع من الأكل الخاص بالطقوس الدينية.

3ـ طقوس النار والنور: إشعال النيران على قمم الجبال والتلال وفي الأماكن العامة، والقفز فوق النار رمزاً لتطهير الروح وكطقس للتخلص من الشرور. وفي بعض الثقافات نجد إشعال المشاعل والفتائل والشموع كما يجري لدى الإيزيدية، كرمز للنور والانتصار على الظلام.

4ـ رمزية يوم الأربعاء قبل نوروز لدى جميع الشعوب الآرية المحتفلة بنوروز، مما يشير إلى علاقة تربطه بيوم الأربعاء، كما نجد عيد رأس السنة الإيزيدية يجب أن يكون في أول أربعاء من شهر نيسان حسب التقويم الشمسي الايزيدي. وكذلك رمزية الشمس ونورها في يوم العيد لدى جميع الشعوب الآرية وفي الثقافات المتأثرة بالزرادشتية.

5ـ تلوين البيض: يرمز إلى ولادة الطبيعة والخصوبة، تلوين البيض ولعبة كسر البيض كما يجري لدى الإيزيديين والفراعنة وفي أفغانستان ودول أخرى. حيث يرمز البيض إلى الولادة وانبعاث الحياة، وتلوين البيض هو إشارة إلى لبس كوكب الأرض حلتها، ونمو النباتات والزهور على سطحها وبدء حياة جديدة. وإشارة لبداية كل كائن، وأن سلقها ربما هو إشارة واضحة لتجمد سطح والقشرة الأرضية، لأن الكرة الأرضية كانت في بداية تكوينها كتلة ملتهبة وسطحها كان مائعاً وشديد الحرارة، وبعد ملايين السنين تصلبت قشرتها الخارجية وتجمد سطحها.

6ـ التجمعات العائلية والاجتماعية في الطبيعة: زيارة الأقارب والأصدقاء وتبادل التهاني والتبريكات، وارتداء ثياب جديدة يوم العيد للدلالة على التجدد، والخروج إلى الطبيعة والاحتفال بالطبيعة والتاريخ المشترك، مما يعزز الانتماء الثقافي عبر الحدود، مع نزهات وألعاب خارجية وعروض فولكلورية مثل الرقص، الألعاب التقليدية والرياضية، وروائع أدبية أخرى.

7ـ زيارة المقابر: هذه العادة تعكس التنوع الثقافي الغني لنوروز، الذي يجمع بين الاحتفال بالحياة وتكريم الموتى في آن واحد. زيارة المقابر خلال عيد نوروز هي عادة تُمارس في بعض الثقافات التي تحتفل بهذا العيد، حيث يحرص الأفراد على الاتصال بروحانية الماضي وتجديد الصلة بأحبائهم الذين رحلوا. هناك اعتقاد بأن أرواح الموتى تكون قريبة من الأحياء في الأعياد، مما يجعل الزيارة وسيلة للتقارب الرمزي.

8ـ تقديم المساعدة ويد الخير للآخرين: توزيع الطعام والحلوى، وهناك من يقدم المال كصدقة عن أرواح الموتى، أو مشاركة الطعام مع الزائرين الآخرين. تُعزز هذه العادة الشعور بالانتماء إلى العائلة والتاريخ، والدلالات الثقافية والروحية خاصة في يوم نوروز الذي يُركز على بدايات الحياة.

استنتاجات البحث حول عيد نوروز

تشير الدراسات إلى أن جميع اللغات الهندوأوروبية قد انحدرت من لغة واحدة في عصور ما قبل التاريخ، ونُطق بها في وقت ما خلال فترة العصر الحجري الحديث، وأن موقعها الجغرافي الدقيق غير معروف وكان موضوع العديد من الفرضيات المتنافسة، ولكن هناك فرضية واحدة أكثر قبولاً تشير إلى أن المناطق التي تحيط ببحر قزوين كانت موطناً لتلك الأقوام، وترجع إلى أكثر من 4000 سنة قبل الميلاد.

تلك اللغة الأم تطورت إلى العديد من اللغات المنطوقة في جنوب غرب آسيا ومعظم أنحاء أوروبا. ظهرت أدلة مكتوبة على اللغات الهندوأوروبية خلال العصر البرونزي الذي يرجع إلى 3000 سنة قبل الميلاد.

في هيئة اللغات المتعددة والمختلفة، تشترك في الكثير من الكلمات.

إن معظم اللغات الآرية متقاربة مع بعضها، منها الطاجيكية قريبة من الفارسية بشكل كبير، وفي نفس الوقت، تشترك الطاجيكية مع الكردية الكرمانجية بعدد كبير من الكلمات يصل إلى الثلث تقريباً، رغم أن الفارسية لا تقترب من الكرمانجية بنفس القدر، ولكنها تقترب من الطاجيكية بقدر كبير يتجاوز الثلث. كما تتقارب الفارسية في نفس الوقت مع الكردية السورانية والكورانية بدرجة كبيرة، وهكذا بالنسبة لجميع لغات الشعوب الآرية التي تتقارب مع بعضها بنسب مختلفة ضمن اللغات الهندوأوروبية.

يبدو أن هناك حلقات مفقودة من تاريخ شعوب الشرق عموماً، وتاريخ الشعوب التي انفصلت من نفس المجموعة العقائدية واللغوية بشكل خاص في الأزمنة القديمة، وخاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن النطق عند الإنسان قديم جداً. حسب فريدريك إنجلس، يعود النطق إلى الطور الأول من الوحشية، أما اللغات فتعود إلى أطوار البربرية عندما بدأت العشائر البدائية تتحد في قبائل وظهرت اللغات المبكرة عند البشر مع ظهور القبائل.

الهوامش :

1) زكموك الثاني كان يحتفل بهذ في  بداية فصل الخريف السومريين، وهذا ما يأكده الصورة الفكية المثرائية، القضاء على خصوبة الارض فيهذ الفصل

2 ) أكيتو: تعني قدوم حياة جديدة إلى الأرض

3 ) زكموك: تعني زكماك وهي مصطلح كوردي الولادة والتكاثر

4 ) الشاهنامه: ملحمة فارسية ضخمة يحتوي على ستين ألف بيت، من تصنيف أبي قاسم الفردوسي، وتُعتبر أعظم أثر أدبي فارسي في جميع العصور.

5 ) المؤرخ عبدالعزيز صالح في كتابه الشرق الادنى القديم ص448: أن الموطن الأصلي للسومريين كان  جبال زاغروس.

6 ) سمنو: هعبارة عن حلوى يتكون من عشبة القمح، يتم نقعها في الماء حتى تظهر بذورها، ثم تترك لتجف، وتخلط فيما بعد على النار والماء والسكر، حتى تكتسب لونًا بنيًا.

7 ) شهارشانبه سوري”: يعني الاربعاء الاحمر او اربعاء الفرح

8 ) السماني:  عبارة عن وعاء تتم فيه زراعة بذور حبوب مثل القمح والذرة والحمص، قبيل اسابيع من حلول النوروز ، لتكون في نوروز خضراء تسمى عشبة الحياة

9) السماني:  هنا عبارة عن عجينة الحلوى المصنوعة من القمح النابت

10) التنغرية : هو اعتقاد ديني قديم نشأ بين شعوب آسيا الوسطى، مثل: الأتراك والمغول والتتار، ويعود تاريخه إلى العصر الحديدي

11) دسترخان: مائدة السبع سينات (هفت سين) يتم نحضيرها يوم نوروز

12) خونشا: عرض رمزي مكوّنٌ من القمح  والشموع والبيض الملوّن الذي يشير الى عدد أفراد الأسرة. او هي صينية عيد نوروز

13) السامالاك:  طبق جماعي يُصنع من براعم القمح المنبتة، يُطهى في مراجل كبيرة طوال الليل، ويتناوب النساء على تقليب العجينة السميكة الحلوة، وتصاحب العملية الغناء والرقص ورواية القصص.

14) هو مهرجان الالوان الشعبي الهندوسي بالربيع يحتفل به في الهند، نيبال، بنغلاديش، سريلانكا، باكستان والبلدان …

15 ) زكموك او زكماك: تعني التكاثر والولادة، عيد رأس السنة لدى السومريين

16 ) أكيتو : كيتو (Akitu) هو مهرجان راس البابلية والاشورية، وفق التقويم البابلي كان يُحتفل به في بلاد ما بين

17 ) ايزيدا: اسم معبد في زمن البابليين، كان يتواجد في كل المدن البابلية ومنها مدينة بورسيبا

18 ) رأس السنة الإيزيدية من أقدم الأعياد الإيزيدية، ينبغي أن يصادف في أول أربعاء من شهر أبريل حسب التقويم الشمسي الايزيدي

19 ) تنسب الديانة الميثرائية الى إله الشمس ميثرا، وهي ديانة هندواوربية مكرسة لعبادة الإله ميثرا، الذي اشتق اسمه من لفظة ميهرا .

20 ) شمو : او شم اسم الشمس،أصل الكلمة المصرية القديمة “شمو” وتعني الاله شمش البابلي، عيد بداية الربيع وترمز الى بعث الحياة

المصادر والمراجع :

1ـ الحياة اليومية في بلاد آشور وبابل——————- جورج كونتينو

2ـ العراق القديم ————————————– جورج رو

3ـ المجتمع الكردي في المنظور الأستشراقي ———    د / بدرخان السندي

4ـ عيد نوروز – الأصل التاريخي والأسطورة ———- عبد الكريم شاهين

5ـ كتاب النيروز ————————————  محمد بن محمد مهدي الخالصي

6ـ نوروز والتطرف السلفي ————————-  محمد حريري مـحمـد

7ـ النيروز الحر ————————————- أحمد زكى أبو شادى

8ـ أفستا – الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية  ———-  خليل عبد الرحمن

12ـ الموسوعة العلمية الحديثة ——————  كولين رونان ومجموعة من المؤلفين

13ـ من أذربيجان إلى لالش  ————————-  تأليف أحمد ملا خليل.

15ـ الحضر مدينة الشمس —————————   ماجد عبد الله الشمس

16ـ قصة الحضارة  ———————————  ول ديوارنيت

17ـ الفكر السياسي في العراق القديم —————–    د/ عبد الرضا الطعان

18ـ الميثرائيّة من الديانات الهندو- إيرانية ————— د. حسين الشيخ

19ـ تاريخ الموصل ———————————— تأليف سليمان الصايغ

20ـ كتابه ألواح سومر ——————————— الباحث التاريخي صموئيل كرومر

21ـ الشرق الادنى القديم ——————————- المؤرخ عبدالعزيز صالح

المواقع الالكترونية العالمية

1ـ يونسكو للتراث الثقافي غير المادي ——- https://www.unesco.org/ar/intangible-cultural-heritage

2ـ موسوعة ويكيبيديا العالمية  —————————– https://ar.wikipedia.org/wiki

3ـ الذكاء الاصطناعي ———————————–  https://chat.deepseek.com

4ـ مركز الفلك الدولي ——————————— https://astronomycenter.net

                                                                                                 الكاتب  / قاسم مرزا الجندي

                  10/5/2025   السبت

ڤان بابەتان ببینە

الأمير تحسين سعيد بك الزعيم التاريخي للايزيديين

   قاسم مرزا الجندي                        …