أبعاد استراتيجية ورسائل سياسية: قراءة في لقاء الرئيس مسعود بارزاني في برنامج “مواجهة”·

بهار حمو عبدالله

في مرحلة دقيقة تشهد تحولات سياسية وأمنية متسارعة في منطقة الشرق الأوسط، لم يكن لقاء الرئيس مسعود بارزاني في برنامج «مواجهة» على شاشة قناة «العربية» مجرد تقييم إعلامي عابر للأحداث، بل شكل خارطة طريق استراتيجية لفهم طبيعة التوازنات الراهنة، ومستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد، فضلاً عن تحديد موقع إقليم كردستان في الخارطة الجيوسياسية للمنطقة. وقد سلطت المحاور التي تناولها اللقاء الضوء على جملة من الثوابت الوطنية والأطر الدستورية والدبلوماسية التي تُحدد معالم الخطاب السياسي الكردستاني.

  1. الاستفتـاء وحق تقرير المصير: الاستناد إلى الإرادة الشعبية

شكّلت قضية استفتاء استقلال كردستان أحد أبرز المحاور الجوهرية في اللقاء. حيث أوضح الرئيس بارزاني برؤية واضحة أن الاستفتاء لم يكن قراراً وقتياً أو رد فعل سياسي مرحلي، بل كان تعبيراً حقيقياً وديمقراطياً عن إرادة شعب كردستان في ممارسة حقه الطبيعي. وأكد أن هذه الممارسة كانت عملية سلمية حضارية لم تُستخدم مطلقاً كأداة لإثارة الحروب أو تهديد دول الجوار، بل تمثلت في تثبيت حق تاريخي ودستوري لا يمكن للمتغيرات السياسية أن تلغي شرعيته أو أثره المعنوي.

  1. العلاقات بين أربيل وبغداد: التراجع عن الشراكة والتمسك بالدستور

فيما يتعلق بالخلافات المستمرة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد، حدد الرئيس بارزاني مكامن الخلل في العلاقة؛ موضحاً أن المشكلة لا تكمن فقط في مجرد تفاصيل ميزانية أو مستحقات مالية أو حدود جغرافية، بل ترجع إلى جذور عميقة مرتبطة بثقافة التهميش والمركزية والتراجع عن مبدأ الشراكة الحقيقية. وأشار إلى أن دستور عام 2005 يمثل الوثيقة القانونية والضامن الوحيد لاستقرار العراق، وأن أي التفاف على بنوده أو مصادرة للحقوق الدستورية للإقليم يؤدي إلى خرق التوازن السياسي وتجميع الأزمات بدلاً من حلها.

  1. الأمن الإقليمي وتوازنات القوى

تناول اللقاء دور إقليم كردستان كعامل استقرار محوري في المنطقة. وفي ظل التجاذبات والاستقطابات الإقليمية، شدد الرئيس بارزاني على اعتماد الإقليم سياسة متوازنة قائمة على عدم الانخراط في سياسة المحاور أو تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات والإرادات الإقليمية والدولية. أما بخصوص العلاقات مع دول الجوار (تركيا وإيران)، فقد أكد أن أربيل تحرص على بناء علاقات قائمة على حسن الجوار والاحترام المتبادل للمصالح المشتركة والسيادة، بشرط عدم استخدام أراضي الإقليم كمنطلق لتهديد أمن واستقرار أي دولة مجاورة.

  1. بطولة البيشمركة والحرب ضد الإرهاب

احتل ملف المواجهة المسلحة ضد تنظيم «داعش» الإرهابي مكاناً بارزاً في اللقاء، حيث سلط الرئيس بارزاني الضوء على التضحيات الجسام التي قدمتها قوات البيشمركة. وأوضح أن البيشمركة لم تدافع عن أرض كردستان فحسب، بل شكلت خط الدفاع الأول عن الإنسانية والقيم الأخلاقية في وجه الإرهاب. ومع الإشادة بالدعم الذي قدمه التحالف الدولي، تم التأكيد على أنه لولا صمود وشجاعة البيشمركة ميدانياً، لكان من الصعب تحقيق ذلك الكسر السريع لشوكة التنظيم الإرهابي.

  1. وحدة الصف الداخلي: الشرط الأساسي لحماية المكتسبات

على المستوى الداخلي الكردستاني، وجه الرئيس بارزاني رسالة صريحة إلى جميع القوى السياسية بضرورة الحفاظ على التلاحم والترابط القومي والوطني. واعتبر أن مواجهة التحديات والضغوطات الخارجية تتطلب بيئة داخلية متماسكة وموحدة. وأكد أن التعددية الاختلافية في الآراء تُعد ظاهرة صحية وديمقراطية، إلا أن القضايا المصيرية تتطلب دائماً الوقوف كجبهة واحدة لحماية الكيان الدستوري للإقليم وصيانة مكتسباته التاريخية.

جاء لقاء الرئيس مسعود بارزاني في برنامج «مواجهة» ليؤكد على وجود رؤية سياسية ناضجة تجمع بين التمسك بالثوابت الوطنية والمرونة الدبلوماسية. وقد قدم المقابلة صياغة متكاملة لموقع إقليم كردستان كفاعل رئيسي، وداعم للأمن والاستقرار، وصاحب قضية عادلة يسعى لحلها عبر الحوار والأطر الدستورية والقانونية.

ڤان بابەتان ببینە

الانسحاب الأمريكي من العراق… اختبار بغداد وأربيل

شيركو حبيب انسحاب القوات الأمريكية من العراق وكوردستان يأتي وفق اتفاق مسبق بين الحكومة العراقية …